الأربعاء، 1 فبراير 2012

العلاقة بين تغير الرأي والنفاق الإجتماعي

العلاقة بين تغير الرأي والنفاق الإجتماعي

متى يكون من حقك أن تعبر عن رأيك بوضوح؟ هل آراؤك قابلة للتطوير والتغيير أو الاستبدال بالكلية؟ ما علاقة تغير الرأي بالنفاق الإجتماعي؟ أفكار أثارتني وحفزت قلمي للكتابة ودفتعه إليها دفعًا.
الرأي هو الحكم الذي يكونه الفرد حول قضية أو موقف أو فكرة أو شخصية معينة، ولأن الرأي حكم فهو بالضرورة لا يتكون من فراغ، وإنما هناك عناصر اجتمعت معًا في ظروف وعوامل معينة أنتجت في نهاية الأمر هذا الحكم، وفي حال تغير أحد تلك العناصر أو العوامل فمؤكد سيتعرض الرأي لشيء من التغيير الكلي أو الجزئي، وهذه العناصر تشمل المعارف والحقائق والخبرات السابقة والمعتقدات، ولأن المعارف تتأثر بمستوى التعليم والعمر فهي في تطور مستمر سواء في الكم أو الكيف، تزيد مع العمر، وتتغير طبيعتها كذلك، تتضح أمور لم تكن على هذا النحو قبلاً، تفسر أشياء وهكذا، وفي حين يصبح العقل مع زيادة العمر قادرًا على التحليل والربط والاستنتاج بشكل أفضل مما يفرز لديه حصيلة أخرى من المعلومات التي يستخلصها بنفسه من البيانات التي يجمعها من حوله، أما الحقائق فهي في تطور وتغير أيضًا، إلا أن الحقائق التي تبلغ كل فرد في المجتمع لا يمكن النظر إليها باعتبارها صحيحة ومشتركة بين الجميع، فكل فرد يتعرض لوسائل مختلفة لنقل الحقائق، بعضها صادقة وبعضها كاذبة، بعضها موضوعية وبعضها ذاتية، بعضها أمينة وذات هدف نبيل وبعضها موجهة، ولهذا لا يتشارك الأفراد في حصيلتهم من الحقائق، ومع تفاوت مستوياتهم التعليمية ونضجهم العقلي تتفاوت أيضًا اساليبهم في التعامل مع تلك الحقائق ومعالجتها وتقييمها، والتجارب والخبرات السابقة هي كذلك حصيلة تختلف من فرد لآخر ، والأفراد كذلك يختزنون تجارب المحيطين بهم بدرجات مختلفة، بعضهم سطحي لا يأبه بشيء من حوله ويعيش بذاته فقط، وبعضهم أكثر عمقًا وإيمانًا بأن من حوله هم ثروة من المعلومات والخبرات عليه أن يفيد منها قدر استطاعته، أما المعتقدات فهي الأحكام الأكثر ثباتًا ورسوخًا لدى الفرد.
وعندما يكون الفرد رأيه تجاه قضية أو فكرة أو شخص فإنه يفيد من كل ما سبق، ويتأثر كذلك في لحطة التكوين بعوامل عديدة أهمها الحالة الإجتماعية والنفسية للفرد في تلك اللحظة، كذلك مكان تواجد الشخص والمحيطين به، وحاجاته ورغباته، ومن أبسط الأمثلة وأكثرها ملاحظة في الحياة اليومية أن الشخص المرهق أو الجائع ربما يمنحك رأيًا في موضوع ما يختلف تمامًا عن رأيه وقت راحته وهدوئه، وهذا طبيعي جدًا.
بعض الآراء تتعلق بأمور بسيطة فلا يؤثر فيها التغيير شيئًا، فلن يؤثر عليك أو يشغلك رأي صديقك في مطعم أو مقعهى معين، ربما أثنى عليه في يوم وانتقده في آخر، ولكن تظهر المشكلة والصدام عندما يتعلق الأمر بقضايا هامة، فتجد أن من تبدل رأيه بشكل جزئي أو كلي يهاجم من قبل المحيطين به، البعض يستخدم السخرية كوسيلة للإنتقاد، البعض يكون هجوميًا فيوجه تهمة النفاق الإجتماعي، وعلى كل حال الساخر والمهاجم ليسا على حق، فما دامت عناصر تكوين الرأي في تغير مستمر فمن الطبيعي أن يتغير الرأي معها، قد تبلغ الفرد معلومات جديدة لم يكن يعرفها قبلاً، قد يتعرض لخبرات شخصية إضافية تدفعه لإعادة معالجة ما لديه من معلومات وبيانات وحقائق بطريقة مختلفة، قد يتغير المحيطين به مما يمنحه فرصة لاكتشاف آراء جديدة ومراجعة آراءه السابقة، وتغير آراؤه في هذه الحالة ليس جريمة يحاسب عليها، وإنما يصبح الآخرون جهلاء بالطبيعة البشرية عندما يوجهون اللوم بشدة، ومن ناحية أخرى قد تتوافر لدى الفرد معلومات وحقائق تزيد من تمسكه برأيه، وهذا لا يعني كونه عنيدًا متغطرسًا لا يأبه بآراء الآخرين؛ وإنما هو صاحب رأي وجد ما يدعم رأيه ويزيد اقتناعه به.
أما النفاق الإجتماعي فينطبق في رأيي على من تتبدل آراؤه لتحقيق مصالح شخصية ليس أكثر، كمن يرى أن شخصًا ما غير مناسب لوظيفة ما، وعندما يفاجأ بذلك الشخص مديرًا له ذات يوم تتبدل آراؤه فيثني عليه عن اقتناع حفاظًا على مصالحه وضمانًا لحمايته، أما أن يتغير رأي الفرد في غيره بشكل طبيعي فهو أمر وارد ولا يدعو لتوجيه اللوم أو الإنتقاد، فأنت قد تكون رأي عن شخص تلقاه لأول مرة ، ثم تغير من رأيك بعد أن تلقاه لمرتين أو ثلاثة، وكثيرًا ما نواجه هذا الموقف في حياتنا اليومية، لهذا كن حذرًا عندما توجه للآخرين الإتهام بأنهم منافقون أو متسلقون لتحقيق مصالح خاصة، فكر جيدًا قبل أن تصدر حكمًا على غيرك.
ولأن الآراء في تغير مستمر فالسؤال هو: متى يكون من حقك أن تعبر عن رأيك بوضوح؟ الحقيقة أنك لو انتظرت اللحظة المناسبة فسوف تنتظر طويلاً، وقد تصمت طيلة حياتك ولن تأتيك اللحظة المناسبة أبدًا، إذن متى تكون لديك رأي تقتنع به وتجد له ما يؤكده ويقرره في رأيك فاطرحه، وهذا الطرح سيفيدك حتمًا، فقد تخوض نقاشًا يفتح لك أبوابًا جديدة للمعرفة، وقد تغير آراء من حولك، أو قد تتأثر بهم وتجد آراءهم أصوب مما لديك، ولا بأس أن تعلن تراجعك عن بعض آرائك، فعندما كنت شابًا كنت تتبنى أفكارًا معينة، وعندما نضجت أكثر عدلت عن بعضها أو استبدلتها بالكلية، أنت لم تكن مخطئً قبلاً؛ وإنما كنت أصغر مما أنت عليه الآن، ليس عيبًا أن تطور من آرائك وتعلن تخليك عن بعضها، وليس عيبًا أن تعترف أن بعضها كان خاطئًا؛ وإنما العيب كل العيب أن تتمسك برأي تؤمن بخطئه خجلاً ممن حولك، وخوفًا من أن توصف بالنفاق الإجتماعي.
عبر عن رأيك متى اقتنعت به واحترم آراء الآخرين، تعلم كيف تطرح رأيك وكيف تراجعه وتنقحه وتعيد تقييمه، لا تحكم تبعًا للماضي وحده، فكل شيء في الكون يدور ويتغير ويتطور فلا تخالف منطق الطبيعة وتتوقف عمدًا في مكانك دون حراك، تذكر كن إيجابيًا ولا تركن للسلبية، لا تخشى المجتمع فأنت قد تطرح رأيًا يغير الكثير من حولك.

نسمة السيد ممدوح
2 فبراير 2012

الاثنين، 16 يناير 2012

الشريكان: رياضي وشاعر

الشريكان: رياضي وشاعر

العقل والقلب شريكان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإن حدث وانفرد أحدهما بالقيادة وصارت له الكلمة المطلقة وقع الخلل حتمًا، إن للعقل أن يلعب دور الرياضي الذي يؤمن بالحقائق والأرقام والحسابات والنظريات ، ويخضع كل شيء للمنطق، وللقلب أن يلعب دور الفنان والشاعر الذي يلمس المعاني ويعبر عنها، ويزن ما يراه ويسمعه طبقًا لمخزونه من العواطف، وأنت إن سلمت لعقلك فقط بت كإنسان آلي لا يعير القيم والعواطف اهتمامًا، ويقسو في قراراته وأفعاله ولا يعني معنى القسوة أيضًا، وإن أنت سلمت للقلب وحده بت كالشاعر الهائم على وجهه ليل نهار بلا عمل نافع، إذن عليك أن توازن بين الاثنين، وتعدل بين الشريكين، وتؤتي كل واحد منهما نصيبه من القيادة.
المشاعر والعواطف هبه وهبها الله للإنسان، وإن أردت أن تحترم إنسانيتك فعليك أن تحترم عواطفك ومشاعرك، وأن تفرض على الآخرين كذلك احترامها، لكن هذا لا يتحقق بإكراه الآخرين ولا باستجدائهم وإلا كان احترامهم إما تخوفًا وخشية، أو شفقة عليك، ولكن بإمكانك أن تفرض مشاعرك كحقائق في بعض المواقف، ودون ان تقحم المبررات التي تحاول أن تأتي بها وتزجها زجًا لتكون منطقية، وإن أنت طرحت مبرراتك لتجيز مشاعرك فلا تستاء من نقاش الآخرين وجدالهم، لأن المبررات تعني أن العقل أصبح هو صاحب السيادة في الموقف، والعقل يُناقش بالمنطق لا بالعواطف، اترك لعواطفك الفرصة للظهور، وعبر عنها بشفافية وإنطلاق مادامت مشروعة وآمنة.
إن أحببت شخصًا ما ، وإن اجتاحك الشوق إليه في لحظة، وإن أنت قد فارقته لساعات فقط، فلا تخجل من أن تعبر له عن شوقك دون مبررات، فقط يكفيك أن تقولها صريحة "اشتقت إليك ولم يمضي على فراقنا غير ساعات" هذا أفضل من أن تسوق المبررات كأن تقول "أردت الإطمئنان عليك لأنك لم تجب اتصالي" أو "علي أن أرعاك وهذا واجبي لهذا جئت إليك" لا تسوق المبررات في غير حاجة إليها، واترك قلبك يقود الموقف، فالعواطف تُحترم وتصان إن طرحت كعواطف، أما أن تُلبسها لباس المنطق وتخضعها للتقاليد والأعراف، وتقيسها بمقياس الواجب فأنت بذلك تظلمها، وتجعلها ضحية للعقل الذي قد ينكرها أو يستهجنها، وهو معذور في حكمه عليه، إذ ارتدت ما ليس لها في الأصل، فتشوهت روحها وفقدت أجمل ما فيها.
لكل فرد منا رصيده الخاص من العواطف، ولولا هذا الرصيد لما تسامح الناس وتحابوا وتزاوروا وتغاضوا عن الهفوات ، وبالرغم من أن ها الرصيد أو قل شقه السلبي هو الدافع للخصام والهجر والغدر والحرمان والإيذاء، ولكن على كل حال هذا الرصيد بشقيه له تأثيره في حياتنا، فلا تقر جانبه السلبي وتنكر الإيجابي منه، تعامل بحرية، وقدر عواطفك، واحترمها فيحترمها الآخرون من حولك، كن صادقًا ولا تفتعل العقل والمنطق في غير وقته، فلكل مقام مقال، ولكل موقف قائد يناسبه ويديره بحكمة، ولكل سفينة ربان يقودها لبر الأمان.

نسمة السيد ممدوح
16 يناير 2014

الأحد، 18 ديسمبر 2011

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

في هذا اليوم يجد قلمي مادة خصبة يجول فيها، لينقل بعضًا مما يتزاحم في عقلي: أفكار وأحلام وآمال لا أجد أفضل من تلك الذكرى كي أدونها فيها، فقد لبثت في هذه الحياة لمدة ربع قرن كامل، لا أحسبها بالفترة الزمنية الطويلة، أو أنها كافية حتى أمنح نفسي الحق في التحدث عن حياتي فيها، غير أني أحسبها مناسبة خاصة ليعود فيها قلمي ليكتب من جديد.
الطفل هو تلك الأرض الخصبة التي يحل للوالدين أن يزرعا فيها ما شاءا من البذور، تبدو هذه الأرض ملكًا لهما في سنوات الطفولة الأولى، ورغم هذه الملكية في التصرف فإن عليهما أيضًا أن يخضعا للقوانين والضوابط الأخلاقية والدينية والإجتماعية في اختيار البذور التي ستبذرها أيديهما فيها، إن الكثير من المهارات يكتسبها الإنسان بالتعلم ، وقليل ما يرثه عن والديه، وربما كانت الموروثات هي أقل القليل من المهارات اللازمة للتعايش والحفاظ على البقاء، أما مهارات التعايش السلمي والتفاعل البناء فللطفل أن يكتسبها من والديه ، ثم من أسرته على اتساعها، ثم من مدرسته ومن ثم مجتمعه، وفي إعتقادي لا يدرك الطفل اللذات مالم يتعرف عليها، فما قيمة الشيكولاتة لشخص لم يتذوقها يومًا، إنه لم يعرف بها أو بروعة مذاقها، وبالتالي لن تمثل له أي قيمة تذكر، وماذا يعني الخوف من الكهرباء لدى إنسان بدائي لا يدرك ماهي الكهرباء، ولم يسمع بها من قبل، الأمر ذاته ينطق على الطفل، لهذا أعتقد أن بإمكان الأب والأم يناء رغبات الطفل، وعلى كل حال الأمر يحتاج للتخطيط السليم، فابنك هو المشروع الذي يستمر إلى ما لا نهاية، أو أن نهايته بالنسبة لك هي مفارقتك لهذه الحياة، ومن منا يحب أن يسعى للفشل بقدميه؟ هكذا فكر في أسلوب تربيتك لطفلك وأعتقد أنك ستغير الكثير.
"من لم يؤدبه والداه فسوف تؤدبه الأيام والليالي" هذا مثل نذكره كثيرًا، والموروثات القديمة لها قيمتها، ومع ذلك فإعادة النظر لهذه الأمثال وتحليلها ضرورة، فإن كان المجتمع يكمل مشوار الأسرة وبخاصة الأبوين في التربية؛ فإن الإنسان البالغ عليه أيضًا أن يكمل مشواره الخاص في تأديب نفسه وتهذيب سلوكه، لقد منح الله الإنسان العقل والحس والقدرة على التمييز ، وهو جل جلاله لم يمنحه تلك القدرات لكي يصبح عجينة لينة تشكلها الأيدي من حوله، وإنما جعله أيضًا قادرًا على إعادة تشكيل نفسه، وربما أن أسوأ كلمة يتفوه بها البالغ الراشد هي "لن أتغير وهكذا أنا وعليك أن تقبلني" إن هذا لأسوأ وأصدق دليل على السلبية، وإن كنت تؤمن بهذه الكلمات فعليك ألا تطلب من الآخرين إحداث تغييرات في سلوكهم، فلست بأفضل من الآخرين، ومبدأ المساواة يحتم عليك أن تقبل ما يسري على الآخرين بصدر رحب، وهذا لا يعني بالطبع أن تكون مرنًا لدرجة تفقدك الثبات، أو أن يكون من اليسير تغيير مبادئك ومعتقداتك وافكارك، لكن المقصود أن تحتفظ بمبادئك متى ثبت لك صحتها، وأن تخضعها لإعادة التقييم إذا قوبلت بالرفض الشديد، وتذكر أن أصحاب الفكر والمبادئ القوية معرضون لهجوم المجتمع، ليس لأن معتقادتهم خاطئة؛ وإنما لأن المجتمع ليست لديه الشجاعة الكافية لقبولها وتطبيقها.
لكل إنسان مواهبه وإمكانياته، بعض تلك المواهب يكون صريحًا ظاهرًا، وبعضها مطمور تحت الرماد، إنه كالنار المشتعلة تحتاج لمن يرفع عنها الرماد حتى تضيء ما حولها، ويعم دفئها وخيرها مبددًا سحب الظلام، تكثر المقالات من تناول موضوع المواهب بالنسبة للأطفال وطريقة اكتشافها، وقد تكتفي بعبارة "ما من إنسان لم يخلق بلا مواهب وطاقاات" هذا كلام حسن لكن ينقصه الوصفة المساعدة على اكتشاف المواهب للصغار والكبار، والأمر بسيط جدًا، فإن تحدثت عن الصغار قلت أن على الأسرة والمدرسة دور هام في توفير الإمكانيات، وتحفيز الطفل على دخول العديد من المجالات، مع تشجيعه والثناء عليه، ومن ثم دفعه للمجال الذي يظهر فيه تقدمًا ملموسًا، أما عن الكبير فالأمر يختلف، عليك أنت أن تبحث عن مواهبك، كيف؟ جرب أن تخوض التجارب على تنوعها، حاول أن تمسك قلمًا وأن تكتب شيئًا: خاطرة، قصة، مقالة، لا تطلع الآخرين على إنتاجك في التجارب الأولى، فغالبًا ما سيكون دون المستوى المطلوب، قد تقصر المشاركة على صديق مقرب، وقد تخوضا التجارب معًا، ابتعد عن المميزين جدًا ، ففي خطواتك الأولى قد تصدمك مواهب الآخرين وتصاب بالإحباط نتيجة لرغبتك وتعجبلك، ثم جرب أن تشتري لوحًا للرسم وفرشًا وألوانًا، ابحث عن مصدر يلقنك أساسيات الرسم، استهلك وقتًا في التجربة ولا تيأس فربما أصبحت رسامًا في المستقبل، خض في برامج الكومبيوتر على اختلافها ولا تفكر في احتراف برنامج واحد في البداية، ولكن خذ من كل علم بمقدار يسير، ثم انتقل لمجال آخر وهكذا، إنك في كل مرة تتعلم شيئًا جديدًا، وتتعرف على الفنون واحدًا تلو الآخر، وفي لحظة ما ستكتشف أنك تملك موهبة الكتابة أو الرسم أو العزف الموسيقي أو...الخ، وهنا ابحث عن شخص يجسد أحلامك في المستقبل وابدأ مشوارك، وابحث عمن يشاركك هواياتك ومواهبك.
الإنسان مخلوق يجمع بين القوة والضعف، أودعه الله إمكانيات وطاقات هائلة، وكذلك وضع فيه من الضعف الكثير، إن إدراكك لهذه الحقيقة كفيل أن يعينك على تقويم أسلوبك في التفكير والتعامل مع الآخرين، اغفر لحظات الضعف لمن حولك، ولك أيضًا، البعض يثور لشعوره بالضعف والمرارة في لحظة ما، البعض يكمن ضعفه في رغبة لا يستطيع تحقيقها، ولكل ما يثيره ويؤلمه، لهذا تعلم أن تغفر للآخرين حتى يغفر الله لك، وأنت أيضًا ارتكبت في الماضي أخطاء أثرت على حاضرك اليوم، بعضها أو الكثير منها لا يغفره غير صغر السن، وهو ليس إثمًا، وإنما تعلم مما فات درسًا، وامنح نفسك الفرصة والوقت الكافي لأخذ مشورة الآخرين.
في علم النفس هناك نظرية تقول بأن الإنسان ينظر إلى نفسه من زاوية تختلف عن نظرته للآخرين، إنه يرى نفسه كتركيبة معقدة تستحق من الآخرين مواساتها ، احترام رغباتها، مغفرة زلاتها، ومساعدتها لتحقيق ما تصبو إليه، في حين ينظر للآخرين باعتبارهم أكثر بساطة منه، فهم لا يعانون بما يكفي، وليس لديهم مشكلات أو مبررات حقيقة للتغاضي عن أخطائهم وهفواتهم، ومن هنا تنبع الأنانية، حيث قد يتطور الشعور لدى الفرد ليرى أنه محور المجتمع أونقطة المركز فيه، وأن على الآخرين أن يدوروا في فلكه خاضعين لظروفه وحاجاته ومزاجه الخاص أيضًا، وعندما تواجه نفسك بتلك الحقيقة تصدم وتنهار هذه الصورة الوهمية وتعيش في سلام مع نفسك ومع الآخرين من حولك.
ابتسم حتى تسعد الآخرين، ولا تنسى أن لكل شخص ما يبكيه، وليس الباسم غير إنسان ناجح في إخفاء آلامه وليس في محوها.


نسمه السيد ممدوح
18 ديسمبر 2011

الخميس، 24 نوفمبر 2011

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

أن ترغب في مساعدةِ الآخرين فهذا شعور نبيل، لكن السؤالَ هو: كيف ستساعد الآخرين؟ قد تحسب للوهلةِ الأولى أنَّ الإجابةَ عن هذا السؤال يسيرة، أو أنَّ كل ما عليك هو البحث عما يحتاجُه الآخرون لتسارعَ بتقديمه لهم؛ لكن ما يجب أن تفكرَ فيه بحق هو أن تتعلمَ فن مساعدة الآخرين، ولكل فن أصوله.

إن موقفَ تقديم المساعدة لشخص ما، يشتمل على ثلاثةِ عناصر رئيسة هي: (ماهية المساعدة، مَن تقدم له المساعدة، أسلوب أو كيفية تقديم المساعدة)، وإذا أردت أن تحسنَ الأداء في هذا الموقف، فعليك أن تعطي كلَّ عنصر حقَّه من الاهتمام، فماهية المساعدة من أيسرِ العناصر؛ فإذا رأيت كفيفًا يقف على جانبِ الطريق، فأنت تعلم أنَّ المساعدة التي يحتاجُ إليها في هذه الحالة هي أن تعينَه على عبور الطريق مثلاً، وإذا كان أبوك مريضًا ويحاول النهوضَ من كرسيه، فأنت تعلمُ أنَّ المساعدةَ المطلوبة في تلك اللحظةِ هي معاونته على الوقوف، وإذا رأيتَ أخاك الصغير يستذكر دروسَه ويعجز عن حلِّ مسألة ما، فأنت تعلمُ أن المساعدةَ المطلوبة هي معاونته على حلها، إذًا فمن اليسير أن تعرفَ ما سوف تقدم، ولهذا عليك أن تركزَ كثيرًا في العنصر التالي وهو: مَن تقدم له المساعدة؟

إن لكلِّ شخص ظروفه وصفاته الخاصة التي تجعل أسلوب التعامل معه يختلفُ عن غيره، فحين تعين طفلاً على عبورِ الطريق، فأنت تتعاملُ بأسلوب مختلف عما كنتَ تعامل كفيفًا أو رجلاً مسنًّا، كما أن تقديمَ المساعدة لطفل صغير في مادةِ الرياضيات يختلفُ عن تقديم ذات المساعدة لطفل يعاني من مشكلاتٍ عقلية أو بصرية مثلاً، ورعايتك لوالدتك المريضة تختلفُ عن تخفيف الأعباء عنها إن كانت صحيحة وهكذا، وعليك أن تتذكرَ أن الأشخاص المصابين بالإعاقاتِ والأمراض أكثر تحسُّسًا لقبولِ المساعدة، في واقع الأمر هم بحاجة لها، لكن تقديم المساعدات لهم هو أصعب ما يكون؛ لأن من المفترض أن تقدم المساعدة دون أن تنقلَ للطرف الآخر شعورًا صريحًا بعجزه، وعليك أن تتوقعَ ردَّ فعل سلبي منه، وإن حدث فهذا فهو يدلُّ في الغالبِ على فشلك في تقديم المساعدة بالطريقة الصحيحة، وهذا يحدث بشكلٍ لا إرادي من الطرف الآخر، وكل ما عليك هو تقبُّل الأمر بصدرٍ رحب، وإعادة المحاولة بطريقة مختلفة، ولهذا نجدُ أن الأشخاصَ المصاحبين لمثل هؤلاء بشكلٍ مستمر هم أفضل من يقدم لهم المساعدة؛ لأنَّ المصاحب هنا قد مر بتجارِبَ عديدة أكسبته الخبرةَ الكافية، فتجده يقدم المساعدةَ دون جرح لمشاعر الطرف الآخر، كما أنَّ الشخص المصاب قد يتجه لطلبِ العون منه بشكلٍ طبيعي؛ لأنَّه أدرك أن هذا الشخصَ يقدمُ له ما يحتاج إليه بلباقة، وهذه اللباقة لا تُدرك بسهولة، ولا بد أن تمرَّ بتجارب كثيرة حتى تتعلمها وتتقنها.

هناك أيضًا المساعدات الإضافية وليست الضرورية، إن تقديم مثل هذا النوع يكون غالبًا للأصحاء، وهي مساعدات دافعها الحبُّ أو الخوف على شخصٍ ما، أو إبعاده عن أي مصدر قلق أو خطر، ومن الأمثلة على هذا النوع: رغبتك في مساعدةِ والديك إبعادًا لهما عن أي مصدر قد يمثل خطرًا، أو يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية مثلاً، فرغم أنَّ والدَك صحيح وذو بنية جيدة تجد أنك تصر على ألا يقودَ سيارتَه لتنوبَ أنت عنه في هذا، أو تصر على أن تكون مهمة حمل الأغراض - وبخاصة ثقيلة الوزن - من نصيبِك أنت، وهكذا، هذا النوع من المساعدات أيضًا يحتاج إلى حذرٍ في الأداء، حيث المطلوب أن تأتي مساعدتك محملة على محمل الحبِّ والتدليل للطرف الآخر وليس إعانته.

أمَّا إذا تحدثنا عن العنصرِ الثالث وهو كيفية تقديم المساعدات، فنجد أنه عنصرٌ متغير يرتبط بالعنصرِ الذي استوفيناه سابقًا؛ وهو الشخص الذي تقدِّم له المساعدة، وعلى كلِّ حال فإنَّنا نجد أنَّ المُساعداتِ المستَتِرة هي الأفضل، كما أن تجنبَ العبارات اللفظية الدالة على عجزِ الطرف الآخر أمرٌ شديد الأهمية، ومن المفيد جدًّا ألا تقدم مساعدة في غير موضعِها، حتى وإن كنت تتعامل مع شخصٍ يُعاني إعاقة ما، حاول أن تراقبَ الطرف الآخر لتتبينَ الأحوال التي يجب أن تلعبَ فيها دورًا فعالاً لإبداء المساعدة، ولا تسرف فيها أيضًا، فقد يؤدِّي الإسرافُ إلى قلبِ الأمور رأسًا على عقب، وبدلاً من أن يكون الطرف الآخر ممتنًّا لك، من الممكن أن يصبح مستاءً من مصاحبتك له، وهذا الاستياء مرجعه إصرارُك دون وعي على جعلِه سجين إعاقته الحقيقية أو الخيالية.

لهذا عزِّز رغبتك في مساعدة الآخرين بتعلم فنِّ المساعدة، ولا تنس قيمةَ التواضعِ والتباسط والحب، وأخيرًا لا تمنَّ على أحد بمساعدتك فتذهب بها أدراج الرياح.


النشر الأول على شبكة الألوكة

الخميس، 27 أكتوبر 2011

بالأمس كان


بالأمس كان

البارحة.. طيفك في الحلم زارني.. عاتبني ولامني.. أشفق لحالي وسألني: لم يا حبيبتي؟ الدمع في العينين مترقرق؟ لا تبتئس حبيبي.. أبكي على استحياء فلا تراني العيون.. غير عينيك لا حجاب يسترني. وما كان لي لأبحث عن ستر من عينيك.. لا تأسى لحالي.. ما كان الحزن ليطأ قلبًا به سكناك.. وما كان لعينين رأتك يومًا أن تلتهب بما يحرقها.. دموعي كالدواء المر المذاق.. بؤذينا ويشفينا.. تؤذيني لساعات .. فتشفيني أيام وأيام.. بت أستعذب مرارتها .. أبحث عما يفجرها تفجيرًا.. حيث تغلب المادة فينا.. وتتكاثف ثلوج الحياة من حولنا.. أفتش عما يثير بركان نفسي.. فتفيض الحمم ملتهبة تلهب عيني لتطهرها.. وتورد وجنتي بحرقتها.. وتحيي شفتي بملوحتها.. حين نتذوق الملح نذكر حلاوة السكر.. نتوق إليه.. فنبحث عما يبعث السعادة فينا.. عهدتك قويًا.. ما رأيت الدمع في عينيك يومًا.. لكن كنت دومًا ملهمًا لدموعي.. أبكي لأشتاق إليك أكثر.. وأذكرك أكثر.. وأذوب فيك أكثر.. وألتمس فيك سر القوة.. فأملك سر الحياة.. تارة تشرق شمسي بالليل ، وتارة تغيب بالنهار.. تعصف رياح البرد بصيفي تارة.. ويشتد الحر في شتائي تارة أخرى.. تسقط أمطاري متى شاءت.. وتمتنع متى شاءت.. تراني أرى ما ليس بكائن.. ويحجب عن عيني ما ليس بغائب.. بت أزرع السعادة في حقول الأحزان.. فشكرًا لطيفك الكريم.. وشكرًا لسرك الثمين.. أنت الدمع والبسمات.. أنت العزيز في دنيا الصغائر.. أنت الغائب بين الحضور.. وأنت سري المكنون.. المترفع عن أن تبصره العيون.

نسمه السيد ممدوح
27 أكتوبر 2011

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

توكيد الأفكار

توكيد الأفكار

أفكارنا جزء من شخصيَّاتنا، ومن الضروريِّ أن تؤمن بأفكارك وأن تنبع هي من ذاتك، أو قد تنبع مِمَّن حولك؛ على أنْ تَلقى قبولاً وتأييدًا داخليًّا منك، هذا الإيمان يولِّد الانسجام الداخليَّ ويحقِّق لك التوازن النفسيَّ المطلوب، وكلما زادت نقاط التلاقي الداخلي، كنتَ أكثر صحة وقوة.

لكن ثمة حالات يتعرَّض لها الإنسان تُفقِده بعض هذا الانسجام، هذا لا ينطبق على تغيير الأفكار أو تطويرها، أو رفض بعضها عن قناعة ورغبة في اعتناق ما هو أفضل؛ ولكن هذه الحالة التي أشير إليها هي حالة اعتلالٍ مؤقَّتة؛ كنوبات الزُّكام، والتوعُّكات التي نتعرض لها.

هذا يعني أنَّك عندما تشعر بحالة عدم الانسجام، فأنت في حالة مرَضيَّة مؤقتة، وأنت حتمًا بحاجة إلى العلاج، وهذا النوع من التوعكات طبيعي، ولا يدعو إلى الخجَل، وكثيرًا ما يملك صاحب الدَّاء الدواء أيضًا، لكن يعجز عن استخدامه.

في تجربة خاصة خُضتُها منذ أشهر، دفعَتْني لسطر بضعة أسطر من هذا المقال، في فترة ما تعرَّضت لهذا النوع من الاعتلال المؤقَّت، في ذلك الوقت دفعني التوتُّر والإحباط لمراجعة مقالاتي السابقة، وقتها بدأتُ أشعر بتحسُّن تدريجي، ثم وضعتُ يدي على بداية الطريق الصحيح، وتمكَّنت من الإمساك بطرف الخيط، فدوَّنت بذرة هذا المقال الذي لم يظهر للنُّور إلا بعد مُرُور أربعة أشهر، فلم أشأ أن أقدِّم العلاج الذي تراءى لي في فترة عدم استقرار، ولكن بعد أن نضجَتْ أفكاري الجديدة زادت ثقتي بهذا العلاج.

في بعض الأحيان نتعرَّض لنوبات من اليأس والاحباط، قد نشعر بفقدنا لمفاتيح السعادة، قد نشعر بالاضطراب بدون سببٍ مُدرَك في اللحظة ذاتها، قد تكون الضغوط النفسية أو الاجتماعية هي السببَ في الكثير من الأحيان، الإخفاقات المؤقتة أيضًا قد تولِّد حالاتٍ مشابهة من الاعتلال النفسي، الصدام مع المجتمع الأوسع، الشعور بالاختلاف أحيانًا بغضِّ النظر عن كون الاختلاف إيجابيًّا أو سلبيًّا، فحتى النماذج الإيجابية قد تُعاني من لحظات الإحباط؛ نتيجةً للاختلاف والتفَرُّد، وهذا من الدواعي التي ينادي بها التربويُّون في العناية بالأطفال المتميزين والمتفوقين عقليًّا، فحتى التميُّز والتفوق على الأقران يولِّد شعورًا بالانفصال عن الطبقة الطبيعيَّة، وهذا قد يولد بعض مشاعر الإحباط وعدم الاستقرار النفسي، ولكن لا تلبث هذه المشاعر أن تزول، خاصة إذا وَجد صاحبها السبيل الصحيح لتجاوز الأزمة، أو وجد من يعينه حقًّا على تجاوزها.

في مثل هذه الحالات، يحتاج الفرد إلى جرعة علاج، هذا العلاج سهل يسير جدًّا، العلاج يَكْمن في أفكارك أنت؛ فأنت في هذه اللَّحظة تفتقر فقط إلى الدَّعم، والمقصود الدعم الذي يدفعك إلى المزيد من التقارب والانسجام الجديد مع أفكارك، ومن ثَمَّ تعود لتؤكِّد نقاط التلاقي وتشعر بالرِّضا والتوازن الداخلي.

البعض ينجح في محاورة ذاته، رغم صعوبة هذا الحوار في لحظات الاعتلال، والكثير قد يفشل في هذه المُحاولات، فعندما تحاور نفسك فأنت مختلف تمامًا عمَّا إذا كنت في محاورةٍ مع غيرك، واقتناعك الداخلي بفكرةٍ ما قد يحتاج إلى بعض التدعيم من شخصٍ آخَر، لكن هذا الآخر سيكون بالضرورة موثوقًا به، وعلى أقلِّ تقدير موثوقًا في مخزونه العاطفيِّ تجاهك، فهو على كل حال لن ينقل إليك فكرةً جديدة، وإنما سيُعيد تلقينك لأفكارك، عندها تصطدم بحقيقتك التي طالما عشقتَها وانسجمت معها، ومع هذا الصدام المفاجئ، تفيق من حالة الياس والإحباط وعدم التوازن، وقد تشعر أنَّك خلال دقائق قد استردَدْت الكثير من قوتك، ومصدر قوتك هو أيضًا أفكارك.

لكن لماذا نشعر أننا ضعفاء فعلاً قبل تلك المواجهة؟
إننا نشعر وقتَها بالوحدة والغربة، فعندما نتغرَّب عن أفكارنا، نتغرب حتى عن أنفسنا، هنا يكون الشعور بالوحدة الداخلية أكثر مرارةً، فليس الغريب مَن يَحْيا وحده دون أصدقاء أو أقارب يقاسمونه ذكرياته وحياته، ويشاركونه آماله وأحلامه، وإنما الغريب من تغرَّب عن أفكاره، ولم يجد من يُقاسمه هذا المخزون الفكري.

عندما تَقِلُّ نقاط التلاقي أو تنعدم نصبح غرباء حقًّا، وعندما تقلُّ هذه النقاط بينك وبين نفسك، يكون الوضع أصعب بكثير.

لأجل هذا؛ لا تَلُم صديقك عندما يحتاج منك إلى هذا الدَّعم النفسي، لا تنتقده بالتخلِّي عن أفكاره ومعتقداته، لا تضغط عليه بتوجيه اللَّوم، لا تبثه المزيد من الأعباء، وقدِّم له العلاج بحبٍّ وثقة بأنه سوف يتقبَّله، وسوف يتخلَّص حتمًا من مشكلاته.

النشر الأول على شبكة الألوكة

الاثنين، 22 أغسطس 2011

العطاء.. متى؟!

العطاء.. متى؟!

متَى يُفترض أن تُسهِم بما لديك مِن عِلم أو خبرة؟

في الواقع ألحَّ عليَّ هذا السؤال بكثرة فيما مضَى، وكنتُ دائمًا أرى: أن على كلِّ فرْد منا أن ينظر لمن هو دونه في العِلم، فيشعر بأنَّ لديه بالفِعل ما يُقدِّمه للآخرين، وأنَّ ما لديه وإنْ كان قليلاً في نظرِه فإنَّه حتمًا سيَعني الكثيرَ بالنسبة للطرَف الآخر.

ولقدْ دفعني لكتابة هذه السطور موقفٌ بسيط تعرَّضتُ له في الآونة الأخيرة، كنتُ أقدِّم درسًا ضمنَ دورة مجَّانية على شبكة الإنترنت، كان موضوع الدورة خاصًّا بتعلم فنِّ التفصيل والخياطة، ولم تكُن تلك تجرِبتي الأولى، وكانتْ دروسي دومًا ناجحةً والحمد لله، وهناك الكثيرات ممَّن تعلمْنَ معي وأبدعنَ أيضًا، وكان منهجي في تقديم كلِّ هذا هو "أنا لستُ بمحترفة أو معلِّمة، وأنَّ العلم للجميع، ومِن حق أيِّ عضو آخَر أن يقدِّم ما لديه، ما دام كان ملتزمًا بآدابِ الحوار واحترام الآخرين، التعالي دومًا مبدأ مرفوض، ما جدَّ في الأمر هو مشاركة أُضيفتْ مِن عضوة جديدة لا تَزيد عني في العمر غير سَنة واحدة، ما أثارني في كلامها هو ثناؤُها على وضوحِ الشَّرْح، ومِن ثَم رأيها بأني ما زلتُ مبتدئة، وهذا واضحٌ مِن الخياطة، ثم ذيلتْ ردَّها بطلب لطيف لقَبول صراحتها، الواقع أنَّ في الأمر ثلاثَ نِقاط تثير الاهتمام:

الأولى: كيف يجتمع لشخصٍ إتقان تقديم المعلومة وشرْحها مصوَّرة، ثم يكون هو أيضًا مبتدئًا ما لم يكُن في الأمر معلومةٌ مفقودة تُجلِّي هذا الغموض، فلا يُتوقَّع مِن معلم لا يتمكَّن مِن نطق حروف العربيَّة بشكل صحيح أن يُلقِّنها لتلاميذه، ثم يأتي شخصٌ ويرَى أنَّ تقديم المادة رائعٌ لكن المعلِّم لا ينطق بشكلٍ جيِّد، ثَمَّة شيء مفقود في الأمْر، هذه حقيقة بالفِعل، فعندما كنت ألتقِط الصور كان لي عُذران هما: الدقَّة الشديدة للكاميرا المستخدَمة في التصوير، والتي تجعل مِن السهل اكتشافَ أيِّ عيوب في التطبيق حتى تلك التي لا تَراها العين المجرَّدة، والثاني هو قصورٌ خلقي في مقدم الدورة يتعلَّق بالجوانب البصريَّة، وهذا أمرٌ لا تتدخَّل فيه الممارسة مهما طالتْ.

لا يمكن لمعلِّم لا يستطيع نُطق حرف الراء مثلاً لعيب خلقي أن يُتقنَ نطقه ولو حاول آلافَ المرَّات، وهذا لا ينتقص مِن كفاءته كمعلِّم على كلِّ حال ما دام يُقدِّم المادة بشكلٍ جيِّد، وما دام عيبٌ كهذا لا يؤثِّر على تحصيل تلاميذه واستيعابهم، إذًا كان الأفضل ألاَّ يُوجه هذا الانتقاد بشكل عام، لو أنَّ القائل تروَّى بعض الشيء، فليس أقسَى على الآخرين مِن انتقاد يضغط على جوانبِ القصور الخلقيَّة فيهم، ليس الكلُّ أقوياء ليردَّ بقوة: بأنَّ هذا راجع لعيب خلقي وقُصور طبيعي فيه لا دخلَ له به.

الثانية: لا يوجد مبرر لطرْح انتقاد، ثم طلب الاعتذار بلُطف لدواعي الصَّراحة، فالواقع أنَّ أحدًا لم يسألكِ الصراحة؛ لتكوني مضطرَّة إليها ما لم تكُن لك دوافع أخرى، أضِف إلى ذلك أنَّ القائل ومَن يُوجه له القول في عُمر واحد تقريبًا، وكلاهما صغيران جدًّا في مِثل هذا المجال، فعندما نحكُم على أداء شخصٍ ما: إذا كان جيِّدًا، علينا أن نراعيَ عوامل عدَّة مِن أهمها العمر وسنوات الخبرة، ومِن البديهي أنَّك لن تقارن بيْن موضوع إنشاء يكتبه طالِب في الإعدادية بموضوع لطالب في الابتدائية، والأغرب أن تلفتَ نظر طالب الابتدائية بأنَّ مستواه بسيط، هذه حقيقة وليستْ بحاجة لأن تُقال، وإلا كانتِ الحقيقة التي ثبتت بالفِعل هي أنَّك الأقلُّ ذكاءً والأكثر سطحيةً.

الثالثة: هل مِن المفترض أن ينتظرَ المرء اكتمالَ الخِبرة والتعلم لينتقل فعليًّا لمرحلة العطاء؟

المشكلة أنَّ العلم لا يَنتهي، وهذا ما سيجعلنا نتحوَّل للأنانيَّة والسلبيَّة، فنتلقَّى دومًا دون مقابل، والمبرِّر الزائف أننا ما زلنا نتعلَّم، وأنَّنا لم نبلغْ بعدُ الحدَّ الكافي لنعطي، هذا هو المقياس الذي بدأتُ به حديثي، وهو متى يفترض بنا أن نُعطي ونُسهِم بعلمنا وخبراتنا؟


أعتقد أنَّ مثل هذه الآراء المثبِّطة قد تؤثِّر على الكثيرين، تبثُّهم اليأس والإحباط، فحقيقة ليس كلُّ البشَر أقوياء يتحمَّلون سمومَ اليأس التي يبثُّها الكثيرون، بعضهم يبثُّها بوعي وقصْد، وهؤلاء هم الأسوأ، وهناك مَن يبثها بجهل وهؤلاء هم الأخْطر، فالقاصد يستهدف أشخاصًا بعينهم وهم غالبًا أقوياء؛ لكي يتحمَّلوا، أما الجاهل فهو يؤذي الكثيرين، البعض منهم سينجو وكثيرون سيهلكون.

المشكلة لا تبدأ مِن هنا، بل مِن نقطة تسبقها بكثير، تبدأ مِن التربية؛ ولهذا أقول: اعتنوا أكثرَ بالتربية الإنسانيَّة والأخلاقيَّة لأبنائكم، علِّموهم كيف ومتى يُعطون الآخرين، حبِّبوا إليهم التبرُّعَ بالعلم، إنَّه أفضل ما تسمو وتجود به النَّفْس، فالعلم لا يفْنَى، وتتناقله الأجيال، ومع تطوُّر وسائل التكنولوجيا أصْبح من السهل جدًّا أن تقدّم للآخرين، وأن تنشر، وأن تخدم الجماعة الأوسع.

تَعلَّموا وعلِّموا أبناءَكم فنَّ العطاء، وهذا هو بيتُ القصيد.

النشر الأول على شبكة الألوكة

http://www.alukah.net/Social/0/33931/#ixzz1Vi69cL6O



اتبعني على Facebook