الثلاثاء، 25 يونيو 2013

قطرات من حبر القلم

قطرات من حبر القلم

للكلمة الواحدة معانِ عدة وكل قلم يكتب الكلمة ذاتها يضمنها معنًا خاصًا هو من روح الكاتب وعقله وقلبه، ولكل كلمة معنًا يختلف باختلاف العين التي تقرأ والأذن التي تسمع، فكلمة تسعدك يومًا وهي ذاتها تبكيك يومًا، وبعض الكلمات لا أشأ أن اقرأها سوى مرة واحدة لشدة ما تترك في النفس، وبعضها أتمنى لو قرأتها في اللحظة ألف مرة ومرة متجاوزة قدرة العين على الإبصار والعقل على التفكير والحس على التذوق، وفي فن العتاب واللوم كلام يطول ويطول وقلما تعيه العقول، ولا أدل على ما أعنيه سوى أن أسميه فن العتاب واللوم لا عتابًا ولومًا مجردًا، فكلمة العتاب قد تجرح وتهدم وتمزق، وقد تبني وتقرب وتزيد الحب والود أضعافًا مضاعفة، العتاب اللطيف يؤتي ثماره، والعتاب الجاف يقتلع جذور ما قد زرعت فيما مضى، ولك أن تختار حسب ما تريد: على قدر حبك وإخلاصك، وعلى قدر نواياك.
***

لأننا شئنا أم لم نشأ ننتمي قلبًا وقالبًا للبشر، وتسري فينا قوانين وأحكام الفطرة والطبيعة ومنها قانون الخطأ، فكلنا يدرك الخطأ عفوًا أو قصدًا، سهوًا أو عمدًا، وتتباين نوايانا وحقيقتنا لا تتغير، فكلنا بشر، ولا يتمايز فينا غير ما يتبع الخطأ، البعض يعتصره الألم والندم ويؤثر الصمت، والبعض يعذبه الندم والخجل ويداوي عذابه باعتذار يرد إليه من قوته الكثير، والبعض لا يأبه بما اقترف ويسير موليًا وجهه شطر أي ناحية من نواحي الحياة عدا ما ارتكب فيه الخطا، وبعضهم يكابر ويتمرد على الفطرة ويسلخ نفسه من بني البشر: أن هكذا أنا بلا خطأ.
ولأن المرء يتخير لنفسه مكانه يوجهه الخلق والدين والعقل والقلب ـ لأجل هذا أتخير لنفسي موضعًا وسط، ولأني بشر فمؤكد أني اقترفت في الحياة أخطاء كثر، ولأن نفسي عزيزة علي وكل من أبقيهم في حياتي لهم من المحبة نصيب عندي ـ لأجل هذا أقول عذرًا للجميع واذكروني بالخير.
تخير لنفسك ما تريد مادمت إنسانًا خُلقت عاقلاً.
***

إنها تضج وتضطرب كالبحر، وعلى أنه يموج موجًا شديدًا ويعصف بالقلوب ويغرقها بالرعب قبل أن تدرك هي أعماقه، على هذا فالبحر ينعم بحرية التعبير، وصوته ناطق ومسموع أبدًا، أما هي فتضج وتضطرب بلا صوت، وكأن الصوت فيها خجل هو فيها من الطبيعة والفطرة، فتتألم وتبكي وهي خرساء، وإن نطقت ما جاوز صوتها مبلغ نفسها.
***

تحسب بعض النصائح مسايرة لمنطق العقل، مفروغ منها، منتهية بتصديق العقل لها، فتتهاون بها ولا تقدرها حق قدرها، وإن لامك لائم فيها غضبت وتعللت بأن أصلها في عقل المرء وفطرته، وإن أنت نظرت إليها نظرة المستبصر لوجدت أن توكيد ما تظنه أصلاً لا يتزعزع إنما هو لأجل ميل الطبع الإنساني عنها فطرةً، وعفوًا لا قصدة، ميلاً مصحوبًا بحسن النوايا، ومن ذلك وصية الله عز وجل للعدل بين الزوجات، والعدل بين الأبناء ، فلو لم يكن علمه يبلغ طبيعة النفس البشرية وميلها عن عدل العقل لهوى القلب لما أوصى بذلك، وإنما اوصى لنظل نحن نقرأ ونذكر وننتبه، ولنشد وثاق أنفسنا كي لا تميل ميلاً شديدًا فتجاوز العدل للظلم، وتبعد عن المساواة لتقارب التمييز.
لن تُرضي كلماتي الكثيرين وقد تذهب بهم الظنون وتبلغ كل مبلغ، وقد يوجه اللوم ولكن إن قرأتم أسطري بعين جديدة لوجدتم منطقًا يقبل النقاش، لا اللوم والانتقاد السريع، ومن يصدق المنطق يحسن التصرف في حياته، والأعرج لا يحسن المشي وتأمين مسيره إلا لو آمن بكونه أعرج، فعدل من فكره، وبحث عن سبل جديدة تعينه على السير، وإن هو نفى وأنكر واستنكر وسعى للسير كغيره بلا سند أو عصا أو دعامة لسقط جسدًا ونفسًا وروحًا.
***

للبعض أقلام قد كُسِرَت أسنتها فإن تتحرك بين يدي أصحابها تهرق الحبر إهراقًا، فلا تترك الصفحة بيضاء فتحسن صنعًا، ولا تكتب شيئًا ذا نفع، وإنما تغمر البياض بسوادها، وإن الحبر ليُطمس عليه ولا يُزال.
***

أنتم تخافون الأحزان، وتخشون حتى الأحرف التي تكون اسمها، أنتم تشفقون على من يذكرها ويشير إليها عن قريب أو بعيد، وانتم كذلك لأنكم تحصرونها في النكبات والمصائب الكبرى، وإنكم لو ألنتم قلوبكم لرأيتم أن العالم مليء بالأحزان التي تزيد القلب لينًا، وتربيه على الشفقة والرفق بالآخرين، ولرأيتم أن بسمة الواحد منا يدفع ثمنها قلب كريم يتجرع مرارة الدمع ليرسم بسمة على شفتي عزيز.
***

الصمت لغة لا تدرك بالكتب ولا بالالتحاق بأرقى المدارس والجامعات ولا بمصاحبة الأساتذة والعلماء، ولكن فيلسوفًا في الحب قد يلقنك بعضًا من أبجدياتها، فما بالك بمفرداتها؟ وما بالك بأبلغ ما فيها؟
الصمت لغة القلوب والعقول المتيقظة، الصمت لغة الحب الخالص، الصمت لغة مجردة من المادة حتى في مفرداتها، لغة لا منظورة ولا مسموعة ولا مكتوبة ولا مقروءة، الصمت هو بلاغة العيون وبيان القلوب، آه لو تعلمون ما الصمت!
***

إن أقلامي لا تبرى بغير الدموع، وعلى قدر الألم الكائن فيها تخلق الحدة في حروفي وكلماتي.
***

"وَهُم فيكَ وأنتَ عنهم تزيد" هكذا يرفع الحب من قدر إنسان ويوسع من نفسه فتضم بداخلها كل البشر وتزيد عنهم، ولأجل هذا يقنع المحب بحبيبه ويهنأ ولا يرى نقصًا أو عيبًا ينغص عليه سعادته.
***

عندما لا تملك القدرة على التمييز بين العام والخاص في النظرة، في الكلمة، في الابتسامة، في المعاملة، في الحب، في العتاب، في اللوم، في الرجاء، في الخضوع، في الاحتياج، في السؤال وحتى في الخصام - فأنت لست أهلاً لتخص بإحداهن.
***

عندما تملك رأيًا سلبيًا أو عندما لا ترضى عن شيء ما، فأبده في اثنين لا ثالث لهما: جواب سؤال استهدفك بالخصوص، أو دفعًا لضرر جلبًا لمنفعة، ودونهما فتبرعك بالرأي إنما هو ضرب من الوقاحة لا الصراحة.
فرق كبير بين الصراحة والوقاحة فلا تخلط هذا بذاك.
***

يخرج الرجل من رحم أنثى، وترضعه أنثى، وتحتمله ذراعي أنثى، وتربيه في طفولته أنثى، وترعاه في شبابه أنثى، فإذا تفتحت روحه وأزهرت حلم بأنثى، وأحب وتزوج من أنثى، فتقاسمه أحلامه وآماله أنثى، وتحمل عنه همومه وآلامه أنثى، ويخرج أبناؤه حاملين اسمه من رحم أنثى، فإذا أراد الرجل أن يخبر مدى قوته بطش بالأنثى، وإن أراد أن يجري لسانه في ساحة السخرية ذهب وراء الأنثى، وحسب أنه قوي حين يعصف بيده أو بلسانه أو بقلبه بالطبيعة وهي أنثى، ولأنها ترعاه طفلاً في مهده وكهولته فهي دومًا صابرة وهو طفل مكابر معاند، فأي قوة ممكنة في مواجهة الأنثى؟
***

عندما يجيد شخص ما قراءتك فإما أنه ماهر بذلك أو أنه حقًا مهتم بك، وعندما تكون أنت متاح لشخص ما فإما أنك ذو تركيب نفسي سهل أو أنك منجذب إليه، وحين يفشل الآخرون في قراءتك فإما أنك ممثل بارع ترتدي قناعًا متقنًا من اللباقة أو أنك لم تجد بعد من يهتم بك وتنجذب إليه.
***

إن مآتي الطبيعة وثمارها نفيسة غالية، وكل مصطنع رخيص بلا قيمة وإن ضاهى الطبيعي في أثوابه وزينته، كذلك ابتسامتي.
***

إن كلمة الحب لا تنفذ من بين شفاهنا كغيرها من الألفاظ، وإنما تثقل قبلاً بالقلب والروح، فتلوح بدءً في العيون، ثم ينفذ ما يشاء الله منها إلى الشفتين، فيصير صدقًا ممزوجًا بدفء.
***

أصدق ما فينا هو أبعد شيء عن العيون، وعن الكلمات ، وعن الوضوح، أجمل ما فينا هو أعمق ما بذواتنا، وأشرف عاطفة تلك التي تدفعنا للعمل صامتين، فنعمل ونعمل ونقول ولا نكاد نقول، ونبين ولا نكاد نبين، ونكشف المظهر ونخفي المضمون، وأصدق دمعة تثقل بالروح ولا تنفذ من العيون، وأعذب كلمة تطل من بين الأهداب لا من الشفاة، وترى في ذاتها شرف يسمو بها عن قوالب الكلام والحروف، لأجل هذا تحب شخصًا ما ولا تدري لمَ تحبه؟ وأي موضع منه جميل؟ فكأن الجمال يسري فيه من هنا إلى هناك، فيأخذك إلى كل ناحية من نواحيه، فلا أنت تعرف إجابة لتساؤلاتك ولن تعرف أبدًا ما دام الحب بروعته قد ربط بين عمقك وعمقه، وأروع أنواع الحب أكثره غموضًا.
***

أنا وأنت مختلفان، فلا تنزع عني أنا، ولا تلبسني قسرًا أنت، ولنعش اثنين مختلفين متجاذبين متكاملين.
***

لا تبيعوا المشاعر أو تبتاعوها.. ارفعوها من على الطرقات.. إنها أثمن من أن تعرض وتباع بأبخس الأثمان، إنها أكرم من أن تغرق الأسواق فيشتريها الكل بلا قناعة.. بلا إرادة حرة.. بلا صدق.. ارفوعها واجعلوها في موضع مصان.. إنها أثمن من الذهب والؤلؤ والياقوت والمرجان.. إنها درة النفس.. إنها كحبة الؤلؤ تنمو داخل المحار.. إن صناها زاد جمالها.. وغلا ثمنها.. وعلت قيمتها.. لا تفرضوها على الناس فرضًا.. فيتجرعوها كارهين.. لا تهينوا الحب والرحمة وألف ألف اسم لكل مشاعر سامية نبيلة كرم بها الإنسان.. ارفوعها واجعلوها عزيزة لا ينالها غير كريم النفس شريف الخلق نقي السريرة.. إنها سر من أسرار القلوب لا تذيعوه فيموت.. يفقد حرارته ودفأة.. ويطرح على الأرض جثة باردة بلا حياة..
***

لأوتار القيثارة سحر تثيره فينا، وجمال تملك به أرواحنا، وتوقظ بعذوبتها مواطن الإحساس فينا، لكنها لا تزال أبدًا أوتار ضعيفة..
***

عندما تقرر سلب الآخرين حقهم في الإعتراض، فكن كريمًا على الأقل ولا تحاول انتزاع اعتراف كاذب منهم بقبول رأيك، فحتى السيطرة وفرض الرأي لها درجات، ويتفاوت أصحابها في مواضعهم على سلم الكرم الخلقي.

نسمة السيد ممدوح

السبت، 9 مارس 2013

لعبة التكوينات الفردية

لعبة التكوينات الفردية

"البازل" أو لعبة التكوينات تلك اللعبة الشهيرة والتي تتسم بالتشويق والمتعة، تحتاج لعبة البازل إلى الصبر والتفكير والتجربة كي تحقق النجاح، فالقطع قد تكون متشابهة لدرجة كبيرة جدًا وقد تضع قطعة في غير مكانها مخطئًا ثم تبني عليها، ومن ثم تفاجأ بالخطأ وتهدم ما بنيت لتعود من جديد للبداية، وتنتهي اللعبة بحصولك على لوحة جميلة هي نتيجة صبرك ومجهودك، وكذلك حياة الواحد منا.
حياة الفرد ليست إلا لعبة بازل، مجموعة من القطع المتناثرة والمختلطة بقطع الآخرين، وعلى كل لاعب أن يعرف كيف يستعيد قطعه ويرتبها حتى يصل في النهاية للوحته الكاملة، وحين تعرف القطعة الأخيرة مكانها في لوحته يكون هو قد وصل لنهاية حياته بالفعل، وتبدأ اللعبة منذ الميلاد، إذ يضع الوالدان أول قطعة في اللوحة وهي اسم المولود، وشيئًا فشيئًا يضيفان قطع أخرى مجتهدين قدر المستطاع في انتقاء القطع الصحيحة، ثم يبدأ الطفل في الإدراك ويكتسب من المحيطين به، ويقتني قطع لنفسه ويرفض أخرى، وتظل اللعبة مستمرة، ومع تقدم الإنسان في العمر سنة تلو الاخرى تزداد صعوبة اللعبة.
إن القطع المتناثرة في الحياة والتي تجمعها لتكون لوحتك الخاصة تشمل:الدين، الأخلاق، الأفكار، السلوكيات، أسلوب الكلام، طريقة اختيار الملابس، المعارف والعلوم، الأصدقاء والزملاء، شريك الحياة، الأهداف، النجاحات، الطموحات، الإنتاج المادي والفكري والأدبي.
ولأن قطع البازل متشابهة وليست متطابقة فما يناسب لوحة شخص ما قد لا يناسب غيره، ولهذا تبطل فكرة الموضة والتوحد في ارتداء زي ذي لون معين أو شكل معين، وإنما يكون من الأفضل أن لا تشذ عن المجموع بشكل كبير وأن تختار ما يلائمك كشخص، فقد خلقت مختلفًا عن غيرك كي تظهر بشخصك لا كي تذوب وتختفي في المجموع كما يذوب السكر في الماء، وفرق بين الذوبان والاتحاد.
على كل حال أنت ستلعب طويلاً مادمت حيًا، تنتقي قطعة وتثبتها في لوحتك، وتبني عليها، وقد يتبين لك سوء الاختيار في مرحلة لاحقة، فتهدم مابنيت وتستبدل القطعة الخاطئة بغيرها، وكذلك أفكارك وسلوكياتك، وبعض القطع صعبة الاستبدال كقطعة الدين أو شريك الحياة مثلاً، ومهما كانت صعوبة الاستبدال فالأفضل أن تلعب باخلاص حتى تتم لوحتك لتبدو على أفضل حال.
وعندما تضع القطعة الأخيرة في لوحتك تفارق روحك الحياة المادية، ويبقى للآخرين لوحة إما جميلة مشرقة، وإما قبيحة قاتمة، بعض الأشخاص تكتشف لوحاتهم بعد أن تتم كشأن مشاهير الشعراء والأدباء والرسامين مثلاً، واللوحات الجميلة قد تقتنى لتزين حياة الآخرين من بعد، والوحات القبيحة قد تعدم حتى من الذاكرة، أما القسم الأعظم من اللوحات فيتراكم بعضه فوق بعض ويغطيه الغبار للأبد.
من أجل هذا اعتن بلوحتك، واختر مصيرها بعد رحيلك.

نسمة السيد ممدوح
9 مارس 2013


الأحد، 17 فبراير 2013

سجناء

سجناء


من حكمة الخالق عز وجل أن جعل الكون متسعًا بما يتجاوز مدركاتنا وتصوراتنا وأفكارنا وقدراتنا وحواسنا، وجعل لنا في الحياة سجون عدة، حتى تضيق بنا الدنيا من حين إلى حين فيصحو داخلنا إنسان قد جبل على الفطرة صارخًا "يارب".
نعم, للحياة سجون, فلا تحسبوها نظرة سوداوية وإنما هي شيء كثير من الواقع، فنحن سجناء أجسادنا، وكم تعذبت أرواحنا وضاقت بها الأجساد، وكم تمنينا الأحلام حيث تنطلق أرواحنا من أسرها فتلتقي ساعة بمن تحب وتشتاق، وتشفى من آلامها، وتحقق بعضًا من آمالها، ونحن سجناء عقولنا وأفكارنا، وللرافعي شيء من هذا القبيل، فعنده من أشد السجون سجن الفكرة التي لا تقدر أن تتخلص منها ولا تقدر أن تحققها، فأنت موثق بها، وعندي أيضًا أن الأفكار من أقسى السجون وأشدها إيلامًا، وأنت فيها سجين وسجن وسجان.
ومنا من هو سجين آماله ورغباته وقد تكون مشروعة لكن أبوابها موصدة ومفاتيحها لدى البارئ وحده، وهو لا يملك سوى الصبر أو الجزع واليأس، والصبر فضيلة وكل الفضائل شاقة صعبة الإتيان، ولولا صعوبة منالها لما كانت فضيلة يمتاز بها القلة عن الكثرة.
ومن الناس من هو سجين لحواسه كالقعيد على كرسيه والأعمى وراء ستاره الأسود والأصم والأبكم، ومنهم من هو سجين ضعفه ونقص فطري به، والعالم على اتساعه لا تشعر به إلا لو انتقلت من بقعة إلى بقعة، فتدرك كم من الفرق والاختلاف يكمن بين زواياه وأرجائه، وإن ضعفت حاستك أو ضمرت شعرك بسجين الحواس.
وسجين المال وسجين الحزن وكلهم سجناء ليس لهم غير الصبر، وكلمة تتردد في أعماقهم "يارب"

نسمة السيد ممدوح
17 فبراير 2013

الأربعاء، 13 فبراير 2013

بين حب المادة.. وحب الروح

بين حب المادة.. وحب الروح

"البعيد عن العين بعيد عن القلب" في قرارة نفسي لا أجد لتلك العبارة صدى ولا تأييد ولا رضا، فالحياة لذتان: لذة المادة وهي أسهلهما وأقصرهما، ولذة الروح وهي أصعبهما وأطولهما، ونحن تلتمس ممن نحب إما لذة المادة أو لذة الروح أو كليهما.
ولذة المادة قد لا تطلب لذة الروح من بعدها، وتلك تزول بزوال المادة بفراق مؤقت أو أبدي، والحرمان منها ألم موجع يزول مع الأيام وللنسيان سلطان عليه، كألم الجرح الدامي قبل أن يبرأ، أما لذة الروح فقد تطلب المادة من بعدها لتزيد من كمالها وقوتها، لكنها أبدًا ما تزول بزوال المادة، وهي دومًا موجعة منهكة ، والحرمان منها أقوى من النسيان.
والعين لا تبصر غير المادة، إذ هي مادة في حد ذاتها، عضو ذو أنسجة وخلايا، فلا تدرك في المحبوب غير المادة، وكأنها تلتقط له صورًا فترسلها للقلب ليواصل الخفقان ويجدد الحب، فإذا غابت المادة غابت الصورة وبرد الحب أو كاد، أما الروح فتتقارب مع روح غيرها فيمتزجان ويصبحان شيئًا واحدًا، فينسكبان في قلبين فلا يجريان مع الدم إذ هما من الدم، فإذا غابت صورة المحبوب بقيت روحه منسكبة في الروح، وتلك لا تضمحل أو تضمر أو تزول إلا إذا زالت الروح من الجسد، فتفنى المادة وتعود الروح لبارئها.
فإن صدقت العبارة صدقت على حب المادة، أما حب الروح وهو الأنفس فهي عنه بمنآى.

نسمة السيد ممدوح
13 فبراير 2013


الخميس، 17 يناير 2013

ما بعد الرحيل

ما بعد الرحيل


"عليَّ الرحيل" تلك كانت رسالة عينيك وعيني ساعة توقف الزمن، واحترقت الشمس، وتهاوى بين أيدينا يحتضر القمر، آهٍ .. رفقَا بنا يا قدر .. لم نأثم ولكن.. ظننا الحب لكلينا نعمة نسألها طامعين راغبين، لكن الرحيل حان ، فلتفارق أجسادنا المكان ، واذكرني حتى إذا سكتت همسات قلبي في سكون الليل؛ فاعلم أن قد أتت علي الأشواق، فلم تبق على نفس يتردد أو قلب ينبض، افترقنا وليس لنا بد، وكنا من قبل التقينا ولم يكن لنا خيار، أنت وأنا ضحية الأقدار. سأرحل وحدي دونك حتى إذا اتشح الكون برداء الظلام، وسكن الوجود، أتيت تطرق باب أفكاري، فتسكن كيفما وحتما تشاء، فلا أقول غير "مرحبًا بحبيب الروح جاء يؤنسها"، وانطر دقاتي غدًا على بابك، ألا تتآنس الأرواح متحررة من أسر الأجساد يا عمري؟

نسمة السيد ممدوح
17 يناير 2012


الأربعاء، 16 يناير 2013

"أنت الطبيب وأنت الدواء"

"أنت الطبيب وأنت الدواء" 
أدبيات


قالوا كثيرًا في وصف الحبيب والقريب من القلب "أنت الطبيب وأنت الدواء" لا أحسب أن كل من قالها قد خبرها ، وأن المعنى العميق وراء تلك الكلمات البسيطة قد مازج قلبه وروحه، الطبيب.. كلنا عايش لحظات المرض وزار الطبيب يومًا، وكلنا مدين لطبيبه لتخفيفه آلامه؛ لكن المعنى الكامن وراء تلك الحروف أعمق وأكبر، إن الشاعرية تغير الكثير فينا، إنها ما جعلتني أتذوق حلاوة المشاعر في أدق لحظات الألم وأشدها، خضت غمار العمليات الجراحية كثيرًا فيما مضى، وتنوعت آلامي وتباينت في شدتها وصورها، لكن في لحظات ألمي الأخيرة كان هناك شيئًا جديد بداخلي، كانت النفس الشاعرة التي تقرأ ما هو خفي عن العيون، وتترجم كالقاموس مرئيات حياتنا لمعان أكثر عمقًا وروعة، في تلك الأثناء وعندما مازج الألم عيني وروحي، وبينما عيني مغمضتين لا أقوى ولا أجرؤ على فتحمها، والألم يسري كينبوع يتدفق منهما بداخلي ولا يبدو منه للناظرين غير عبرات تسيل على وجنتي محمرة بلون آلامي ، ممتزجة بتأوهاتي، في تلك اللحظات شعرت كم أنا بحاجة لطبيبي، وكيف تجسدت الرحمة والأمان في صفته لا شخصه، وتمنيت لو أن عقارب الساعة بإمكانها أن تعدو كأمهر العدائين حتى تدنو به من غرفتي وفراشي، ولحظة تحقق آمالي كانت هي ذاتها لحظة الاستسلام الكلي، وضعت كل آلامي بهدوء وصمت، وتركت أصابعه تمتد لتفتح رغم الألم جفوني ، كم كان شعور الأمن لذيذًا عذبًا! كيف تضاءلت آلامي في تلك اللحظة؟! وكيف ناشدته شيئًا ينهي عذابي؟! وغاب طبيبي وغابت معه نصف آلامي، وتعلقت البقية منها بمرآه يومًا بعد يوم، وكما يعد المحب الأيام في انتظار لقيا محبوبه كانت أيامي بانتظار طبيبي، ففي كل مرة كانت تضمحل آلامي، وتنزوي شكوكي وأوهامي، وتنمو آمالي، وفي كل مرة كنت أنصت لكل حروفه فكأنها أوامر قد انتهى العقل من مناقشة قرار تنفيذها، فهي منتهية بنطقه، محتومة المضي، لا خيار لي وأنا راضية بانقيادي، أبعد كل هذا لا يبدو تشبيه المحبوب بالطبيب؟! كيف لا وهو يضمد الجروح، وتخبو بقربه نيران الألم، وتتحول النفس بقربه لطائع منقاد برضا وطيب خاطر، كيف لا وقد تجسد الأمن بكل معانيه في شخص الحبيب وروحه؟!

نسمة السيد ممدوح
14 ديسمبر 2012


السبت، 12 يناير 2013

شيء في فلسفة الحب

شيء في فلسفة الحب



ألا إن الوردة عندي ليست سوى جزء جميل من أجزاء النبات قد أهدته الطبيعة لبني البشر، وهي في ذاتها تملك بعض الجمال، أما حين يهديها الرجل لامرأة يودعها سر من أسرار روحه فيربو فيها الجمال، فما الوردة وما الجمال فيها؟ وأين موضعها في الرومانسية عندي؟

الوردة والتي هي رسول الطبيعة ـ هي بحد ذاتها بعيدة عن الرومانسية بعد القمر عن الأرض، لا يرى الواقف على الأرض من القمر سوى ضوء جميل ينبعث عن بعد، وهيهات له أن يرى القمر عن قرب، فيظنه جميلاً مضيئًا، وهو لا يعلم عن ظلمة سطحه شيئًا، وكذلك هي، تراها عن بعد فلا تبصر غير الجمال فيها، وإن لمستها بيديك وحدثتها لم تجبك سوى بصمت، لأنها بلا حبيب يودعها رسالة سحرية تبقى خرساء لا تنطق ولا تقدر على شيء، فالرومانسية فيها ضوء نراه عن بعد، وما إن نقاربها حتى لا نجد غير الظلمة والصمت، فمتى احتملها العاشق ودنت من قلبه، فأصغت لدقاته ونبضاته وتنهداته، حتى تبدلت أحوالها، واستحال اللب فيها إلى شعلة مضيئة بالحب، نابضة بالجمال، متكلمة بالألحان..

فلا أسألك وردة ما لم تجد في نفسك دافعًا ورغبة غير مفهومة لوردة تناجيها، فتبثها شيئًا من نفسك وترسلها إلي، فتتبدل ملامحها، فلا العطر هو العطر، ولا الورق هو الورق، ولا هي وردة من الأرض، بل هدية من الجنة التي هي قلبك.

لا أحسب الرومانسية محصورة على اتساعها وروعتها في وردة صغيرة، إن تهدني يومًا كتابًا اقرؤه فهو عندي من الرومانسية وأكثر، فأجد عيني تمر على ما مرت عليه عيناك، وتلمس ما لمسته يداك، ويتفتح عقلي لما تفتح له عقلك، فأشعر في كياني بشيء قد نما بداخلك يومًا، فلا أحسبه كتابًا قط، بل هو جزء من روحك أرسلتها لتؤنسني، ألا يكون الكتاب بعد ذالك رسولاً للحب بين اثنين؟!

ولا أقول كتابًا في الحب ترسله إلي، وإنما هو كتاب مهما كان قوله وموضوعه مسته عيناك وأناملك ووعيه عقلك وقلبك، فهو منك أبلغ هدية في الحب، وهو كالوردة وأعظم شأنًا، فهي وإن كانت جميلة تذبل مع الأيام ولا يبقى منها غير الذكرى، وهو باقٍ ما دام الحب باقِ حيًا مجسدًا ملموسًا محسوسًا مقروءً مفهومًا ناطقًا.

لا ولن تكون الرومانسية قصرًا على وردة أو كتاب، بل هي أوسع وأوسع، ولها عندي ألف ألف صورة ما دام الحب بيني وبينك فله في الأحياء والماديات ألف ألف رسول ينطق.

نسمة السيد ممدوح
12 يناير 2013


اتبعني على Facebook