الأحد، 18 ديسمبر 2011

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

في هذا اليوم يجد قلمي مادة خصبة يجول فيها، لينقل بعضًا مما يتزاحم في عقلي: أفكار وأحلام وآمال لا أجد أفضل من تلك الذكرى كي أدونها فيها، فقد لبثت في هذه الحياة لمدة ربع قرن كامل، لا أحسبها بالفترة الزمنية الطويلة، أو أنها كافية حتى أمنح نفسي الحق في التحدث عن حياتي فيها، غير أني أحسبها مناسبة خاصة ليعود فيها قلمي ليكتب من جديد.
الطفل هو تلك الأرض الخصبة التي يحل للوالدين أن يزرعا فيها ما شاءا من البذور، تبدو هذه الأرض ملكًا لهما في سنوات الطفولة الأولى، ورغم هذه الملكية في التصرف فإن عليهما أيضًا أن يخضعا للقوانين والضوابط الأخلاقية والدينية والإجتماعية في اختيار البذور التي ستبذرها أيديهما فيها، إن الكثير من المهارات يكتسبها الإنسان بالتعلم ، وقليل ما يرثه عن والديه، وربما كانت الموروثات هي أقل القليل من المهارات اللازمة للتعايش والحفاظ على البقاء، أما مهارات التعايش السلمي والتفاعل البناء فللطفل أن يكتسبها من والديه ، ثم من أسرته على اتساعها، ثم من مدرسته ومن ثم مجتمعه، وفي إعتقادي لا يدرك الطفل اللذات مالم يتعرف عليها، فما قيمة الشيكولاتة لشخص لم يتذوقها يومًا، إنه لم يعرف بها أو بروعة مذاقها، وبالتالي لن تمثل له أي قيمة تذكر، وماذا يعني الخوف من الكهرباء لدى إنسان بدائي لا يدرك ماهي الكهرباء، ولم يسمع بها من قبل، الأمر ذاته ينطق على الطفل، لهذا أعتقد أن بإمكان الأب والأم يناء رغبات الطفل، وعلى كل حال الأمر يحتاج للتخطيط السليم، فابنك هو المشروع الذي يستمر إلى ما لا نهاية، أو أن نهايته بالنسبة لك هي مفارقتك لهذه الحياة، ومن منا يحب أن يسعى للفشل بقدميه؟ هكذا فكر في أسلوب تربيتك لطفلك وأعتقد أنك ستغير الكثير.
"من لم يؤدبه والداه فسوف تؤدبه الأيام والليالي" هذا مثل نذكره كثيرًا، والموروثات القديمة لها قيمتها، ومع ذلك فإعادة النظر لهذه الأمثال وتحليلها ضرورة، فإن كان المجتمع يكمل مشوار الأسرة وبخاصة الأبوين في التربية؛ فإن الإنسان البالغ عليه أيضًا أن يكمل مشواره الخاص في تأديب نفسه وتهذيب سلوكه، لقد منح الله الإنسان العقل والحس والقدرة على التمييز ، وهو جل جلاله لم يمنحه تلك القدرات لكي يصبح عجينة لينة تشكلها الأيدي من حوله، وإنما جعله أيضًا قادرًا على إعادة تشكيل نفسه، وربما أن أسوأ كلمة يتفوه بها البالغ الراشد هي "لن أتغير وهكذا أنا وعليك أن تقبلني" إن هذا لأسوأ وأصدق دليل على السلبية، وإن كنت تؤمن بهذه الكلمات فعليك ألا تطلب من الآخرين إحداث تغييرات في سلوكهم، فلست بأفضل من الآخرين، ومبدأ المساواة يحتم عليك أن تقبل ما يسري على الآخرين بصدر رحب، وهذا لا يعني بالطبع أن تكون مرنًا لدرجة تفقدك الثبات، أو أن يكون من اليسير تغيير مبادئك ومعتقداتك وافكارك، لكن المقصود أن تحتفظ بمبادئك متى ثبت لك صحتها، وأن تخضعها لإعادة التقييم إذا قوبلت بالرفض الشديد، وتذكر أن أصحاب الفكر والمبادئ القوية معرضون لهجوم المجتمع، ليس لأن معتقادتهم خاطئة؛ وإنما لأن المجتمع ليست لديه الشجاعة الكافية لقبولها وتطبيقها.
لكل إنسان مواهبه وإمكانياته، بعض تلك المواهب يكون صريحًا ظاهرًا، وبعضها مطمور تحت الرماد، إنه كالنار المشتعلة تحتاج لمن يرفع عنها الرماد حتى تضيء ما حولها، ويعم دفئها وخيرها مبددًا سحب الظلام، تكثر المقالات من تناول موضوع المواهب بالنسبة للأطفال وطريقة اكتشافها، وقد تكتفي بعبارة "ما من إنسان لم يخلق بلا مواهب وطاقاات" هذا كلام حسن لكن ينقصه الوصفة المساعدة على اكتشاف المواهب للصغار والكبار، والأمر بسيط جدًا، فإن تحدثت عن الصغار قلت أن على الأسرة والمدرسة دور هام في توفير الإمكانيات، وتحفيز الطفل على دخول العديد من المجالات، مع تشجيعه والثناء عليه، ومن ثم دفعه للمجال الذي يظهر فيه تقدمًا ملموسًا، أما عن الكبير فالأمر يختلف، عليك أنت أن تبحث عن مواهبك، كيف؟ جرب أن تخوض التجارب على تنوعها، حاول أن تمسك قلمًا وأن تكتب شيئًا: خاطرة، قصة، مقالة، لا تطلع الآخرين على إنتاجك في التجارب الأولى، فغالبًا ما سيكون دون المستوى المطلوب، قد تقصر المشاركة على صديق مقرب، وقد تخوضا التجارب معًا، ابتعد عن المميزين جدًا ، ففي خطواتك الأولى قد تصدمك مواهب الآخرين وتصاب بالإحباط نتيجة لرغبتك وتعجبلك، ثم جرب أن تشتري لوحًا للرسم وفرشًا وألوانًا، ابحث عن مصدر يلقنك أساسيات الرسم، استهلك وقتًا في التجربة ولا تيأس فربما أصبحت رسامًا في المستقبل، خض في برامج الكومبيوتر على اختلافها ولا تفكر في احتراف برنامج واحد في البداية، ولكن خذ من كل علم بمقدار يسير، ثم انتقل لمجال آخر وهكذا، إنك في كل مرة تتعلم شيئًا جديدًا، وتتعرف على الفنون واحدًا تلو الآخر، وفي لحظة ما ستكتشف أنك تملك موهبة الكتابة أو الرسم أو العزف الموسيقي أو...الخ، وهنا ابحث عن شخص يجسد أحلامك في المستقبل وابدأ مشوارك، وابحث عمن يشاركك هواياتك ومواهبك.
الإنسان مخلوق يجمع بين القوة والضعف، أودعه الله إمكانيات وطاقات هائلة، وكذلك وضع فيه من الضعف الكثير، إن إدراكك لهذه الحقيقة كفيل أن يعينك على تقويم أسلوبك في التفكير والتعامل مع الآخرين، اغفر لحظات الضعف لمن حولك، ولك أيضًا، البعض يثور لشعوره بالضعف والمرارة في لحظة ما، البعض يكمن ضعفه في رغبة لا يستطيع تحقيقها، ولكل ما يثيره ويؤلمه، لهذا تعلم أن تغفر للآخرين حتى يغفر الله لك، وأنت أيضًا ارتكبت في الماضي أخطاء أثرت على حاضرك اليوم، بعضها أو الكثير منها لا يغفره غير صغر السن، وهو ليس إثمًا، وإنما تعلم مما فات درسًا، وامنح نفسك الفرصة والوقت الكافي لأخذ مشورة الآخرين.
في علم النفس هناك نظرية تقول بأن الإنسان ينظر إلى نفسه من زاوية تختلف عن نظرته للآخرين، إنه يرى نفسه كتركيبة معقدة تستحق من الآخرين مواساتها ، احترام رغباتها، مغفرة زلاتها، ومساعدتها لتحقيق ما تصبو إليه، في حين ينظر للآخرين باعتبارهم أكثر بساطة منه، فهم لا يعانون بما يكفي، وليس لديهم مشكلات أو مبررات حقيقة للتغاضي عن أخطائهم وهفواتهم، ومن هنا تنبع الأنانية، حيث قد يتطور الشعور لدى الفرد ليرى أنه محور المجتمع أونقطة المركز فيه، وأن على الآخرين أن يدوروا في فلكه خاضعين لظروفه وحاجاته ومزاجه الخاص أيضًا، وعندما تواجه نفسك بتلك الحقيقة تصدم وتنهار هذه الصورة الوهمية وتعيش في سلام مع نفسك ومع الآخرين من حولك.
ابتسم حتى تسعد الآخرين، ولا تنسى أن لكل شخص ما يبكيه، وليس الباسم غير إنسان ناجح في إخفاء آلامه وليس في محوها.


نسمه السيد ممدوح
18 ديسمبر 2011

الخميس، 24 نوفمبر 2011

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

أن ترغب في مساعدةِ الآخرين فهذا شعور نبيل، لكن السؤالَ هو: كيف ستساعد الآخرين؟ قد تحسب للوهلةِ الأولى أنَّ الإجابةَ عن هذا السؤال يسيرة، أو أنَّ كل ما عليك هو البحث عما يحتاجُه الآخرون لتسارعَ بتقديمه لهم؛ لكن ما يجب أن تفكرَ فيه بحق هو أن تتعلمَ فن مساعدة الآخرين، ولكل فن أصوله.

إن موقفَ تقديم المساعدة لشخص ما، يشتمل على ثلاثةِ عناصر رئيسة هي: (ماهية المساعدة، مَن تقدم له المساعدة، أسلوب أو كيفية تقديم المساعدة)، وإذا أردت أن تحسنَ الأداء في هذا الموقف، فعليك أن تعطي كلَّ عنصر حقَّه من الاهتمام، فماهية المساعدة من أيسرِ العناصر؛ فإذا رأيت كفيفًا يقف على جانبِ الطريق، فأنت تعلم أنَّ المساعدة التي يحتاجُ إليها في هذه الحالة هي أن تعينَه على عبور الطريق مثلاً، وإذا كان أبوك مريضًا ويحاول النهوضَ من كرسيه، فأنت تعلمُ أنَّ المساعدةَ المطلوبة في تلك اللحظةِ هي معاونته على الوقوف، وإذا رأيتَ أخاك الصغير يستذكر دروسَه ويعجز عن حلِّ مسألة ما، فأنت تعلمُ أن المساعدةَ المطلوبة هي معاونته على حلها، إذًا فمن اليسير أن تعرفَ ما سوف تقدم، ولهذا عليك أن تركزَ كثيرًا في العنصر التالي وهو: مَن تقدم له المساعدة؟

إن لكلِّ شخص ظروفه وصفاته الخاصة التي تجعل أسلوب التعامل معه يختلفُ عن غيره، فحين تعين طفلاً على عبورِ الطريق، فأنت تتعاملُ بأسلوب مختلف عما كنتَ تعامل كفيفًا أو رجلاً مسنًّا، كما أن تقديمَ المساعدة لطفل صغير في مادةِ الرياضيات يختلفُ عن تقديم ذات المساعدة لطفل يعاني من مشكلاتٍ عقلية أو بصرية مثلاً، ورعايتك لوالدتك المريضة تختلفُ عن تخفيف الأعباء عنها إن كانت صحيحة وهكذا، وعليك أن تتذكرَ أن الأشخاص المصابين بالإعاقاتِ والأمراض أكثر تحسُّسًا لقبولِ المساعدة، في واقع الأمر هم بحاجة لها، لكن تقديم المساعدات لهم هو أصعب ما يكون؛ لأن من المفترض أن تقدم المساعدة دون أن تنقلَ للطرف الآخر شعورًا صريحًا بعجزه، وعليك أن تتوقعَ ردَّ فعل سلبي منه، وإن حدث فهذا فهو يدلُّ في الغالبِ على فشلك في تقديم المساعدة بالطريقة الصحيحة، وهذا يحدث بشكلٍ لا إرادي من الطرف الآخر، وكل ما عليك هو تقبُّل الأمر بصدرٍ رحب، وإعادة المحاولة بطريقة مختلفة، ولهذا نجدُ أن الأشخاصَ المصاحبين لمثل هؤلاء بشكلٍ مستمر هم أفضل من يقدم لهم المساعدة؛ لأنَّ المصاحب هنا قد مر بتجارِبَ عديدة أكسبته الخبرةَ الكافية، فتجده يقدم المساعدةَ دون جرح لمشاعر الطرف الآخر، كما أنَّ الشخص المصاب قد يتجه لطلبِ العون منه بشكلٍ طبيعي؛ لأنَّه أدرك أن هذا الشخصَ يقدمُ له ما يحتاج إليه بلباقة، وهذه اللباقة لا تُدرك بسهولة، ولا بد أن تمرَّ بتجارب كثيرة حتى تتعلمها وتتقنها.

هناك أيضًا المساعدات الإضافية وليست الضرورية، إن تقديم مثل هذا النوع يكون غالبًا للأصحاء، وهي مساعدات دافعها الحبُّ أو الخوف على شخصٍ ما، أو إبعاده عن أي مصدر قلق أو خطر، ومن الأمثلة على هذا النوع: رغبتك في مساعدةِ والديك إبعادًا لهما عن أي مصدر قد يمثل خطرًا، أو يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية مثلاً، فرغم أنَّ والدَك صحيح وذو بنية جيدة تجد أنك تصر على ألا يقودَ سيارتَه لتنوبَ أنت عنه في هذا، أو تصر على أن تكون مهمة حمل الأغراض - وبخاصة ثقيلة الوزن - من نصيبِك أنت، وهكذا، هذا النوع من المساعدات أيضًا يحتاج إلى حذرٍ في الأداء، حيث المطلوب أن تأتي مساعدتك محملة على محمل الحبِّ والتدليل للطرف الآخر وليس إعانته.

أمَّا إذا تحدثنا عن العنصرِ الثالث وهو كيفية تقديم المساعدات، فنجد أنه عنصرٌ متغير يرتبط بالعنصرِ الذي استوفيناه سابقًا؛ وهو الشخص الذي تقدِّم له المساعدة، وعلى كلِّ حال فإنَّنا نجد أنَّ المُساعداتِ المستَتِرة هي الأفضل، كما أن تجنبَ العبارات اللفظية الدالة على عجزِ الطرف الآخر أمرٌ شديد الأهمية، ومن المفيد جدًّا ألا تقدم مساعدة في غير موضعِها، حتى وإن كنت تتعامل مع شخصٍ يُعاني إعاقة ما، حاول أن تراقبَ الطرف الآخر لتتبينَ الأحوال التي يجب أن تلعبَ فيها دورًا فعالاً لإبداء المساعدة، ولا تسرف فيها أيضًا، فقد يؤدِّي الإسرافُ إلى قلبِ الأمور رأسًا على عقب، وبدلاً من أن يكون الطرف الآخر ممتنًّا لك، من الممكن أن يصبح مستاءً من مصاحبتك له، وهذا الاستياء مرجعه إصرارُك دون وعي على جعلِه سجين إعاقته الحقيقية أو الخيالية.

لهذا عزِّز رغبتك في مساعدة الآخرين بتعلم فنِّ المساعدة، ولا تنس قيمةَ التواضعِ والتباسط والحب، وأخيرًا لا تمنَّ على أحد بمساعدتك فتذهب بها أدراج الرياح.


النشر الأول على شبكة الألوكة

الخميس، 27 أكتوبر 2011

بالأمس كان


بالأمس كان

البارحة.. طيفك في الحلم زارني.. عاتبني ولامني.. أشفق لحالي وسألني: لم يا حبيبتي؟ الدمع في العينين مترقرق؟ لا تبتئس حبيبي.. أبكي على استحياء فلا تراني العيون.. غير عينيك لا حجاب يسترني. وما كان لي لأبحث عن ستر من عينيك.. لا تأسى لحالي.. ما كان الحزن ليطأ قلبًا به سكناك.. وما كان لعينين رأتك يومًا أن تلتهب بما يحرقها.. دموعي كالدواء المر المذاق.. بؤذينا ويشفينا.. تؤذيني لساعات .. فتشفيني أيام وأيام.. بت أستعذب مرارتها .. أبحث عما يفجرها تفجيرًا.. حيث تغلب المادة فينا.. وتتكاثف ثلوج الحياة من حولنا.. أفتش عما يثير بركان نفسي.. فتفيض الحمم ملتهبة تلهب عيني لتطهرها.. وتورد وجنتي بحرقتها.. وتحيي شفتي بملوحتها.. حين نتذوق الملح نذكر حلاوة السكر.. نتوق إليه.. فنبحث عما يبعث السعادة فينا.. عهدتك قويًا.. ما رأيت الدمع في عينيك يومًا.. لكن كنت دومًا ملهمًا لدموعي.. أبكي لأشتاق إليك أكثر.. وأذكرك أكثر.. وأذوب فيك أكثر.. وألتمس فيك سر القوة.. فأملك سر الحياة.. تارة تشرق شمسي بالليل ، وتارة تغيب بالنهار.. تعصف رياح البرد بصيفي تارة.. ويشتد الحر في شتائي تارة أخرى.. تسقط أمطاري متى شاءت.. وتمتنع متى شاءت.. تراني أرى ما ليس بكائن.. ويحجب عن عيني ما ليس بغائب.. بت أزرع السعادة في حقول الأحزان.. فشكرًا لطيفك الكريم.. وشكرًا لسرك الثمين.. أنت الدمع والبسمات.. أنت العزيز في دنيا الصغائر.. أنت الغائب بين الحضور.. وأنت سري المكنون.. المترفع عن أن تبصره العيون.

نسمه السيد ممدوح
27 أكتوبر 2011

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

توكيد الأفكار

توكيد الأفكار

أفكارنا جزء من شخصيَّاتنا، ومن الضروريِّ أن تؤمن بأفكارك وأن تنبع هي من ذاتك، أو قد تنبع مِمَّن حولك؛ على أنْ تَلقى قبولاً وتأييدًا داخليًّا منك، هذا الإيمان يولِّد الانسجام الداخليَّ ويحقِّق لك التوازن النفسيَّ المطلوب، وكلما زادت نقاط التلاقي الداخلي، كنتَ أكثر صحة وقوة.

لكن ثمة حالات يتعرَّض لها الإنسان تُفقِده بعض هذا الانسجام، هذا لا ينطبق على تغيير الأفكار أو تطويرها، أو رفض بعضها عن قناعة ورغبة في اعتناق ما هو أفضل؛ ولكن هذه الحالة التي أشير إليها هي حالة اعتلالٍ مؤقَّتة؛ كنوبات الزُّكام، والتوعُّكات التي نتعرض لها.

هذا يعني أنَّك عندما تشعر بحالة عدم الانسجام، فأنت في حالة مرَضيَّة مؤقتة، وأنت حتمًا بحاجة إلى العلاج، وهذا النوع من التوعكات طبيعي، ولا يدعو إلى الخجَل، وكثيرًا ما يملك صاحب الدَّاء الدواء أيضًا، لكن يعجز عن استخدامه.

في تجربة خاصة خُضتُها منذ أشهر، دفعَتْني لسطر بضعة أسطر من هذا المقال، في فترة ما تعرَّضت لهذا النوع من الاعتلال المؤقَّت، في ذلك الوقت دفعني التوتُّر والإحباط لمراجعة مقالاتي السابقة، وقتها بدأتُ أشعر بتحسُّن تدريجي، ثم وضعتُ يدي على بداية الطريق الصحيح، وتمكَّنت من الإمساك بطرف الخيط، فدوَّنت بذرة هذا المقال الذي لم يظهر للنُّور إلا بعد مُرُور أربعة أشهر، فلم أشأ أن أقدِّم العلاج الذي تراءى لي في فترة عدم استقرار، ولكن بعد أن نضجَتْ أفكاري الجديدة زادت ثقتي بهذا العلاج.

في بعض الأحيان نتعرَّض لنوبات من اليأس والاحباط، قد نشعر بفقدنا لمفاتيح السعادة، قد نشعر بالاضطراب بدون سببٍ مُدرَك في اللحظة ذاتها، قد تكون الضغوط النفسية أو الاجتماعية هي السببَ في الكثير من الأحيان، الإخفاقات المؤقتة أيضًا قد تولِّد حالاتٍ مشابهة من الاعتلال النفسي، الصدام مع المجتمع الأوسع، الشعور بالاختلاف أحيانًا بغضِّ النظر عن كون الاختلاف إيجابيًّا أو سلبيًّا، فحتى النماذج الإيجابية قد تُعاني من لحظات الإحباط؛ نتيجةً للاختلاف والتفَرُّد، وهذا من الدواعي التي ينادي بها التربويُّون في العناية بالأطفال المتميزين والمتفوقين عقليًّا، فحتى التميُّز والتفوق على الأقران يولِّد شعورًا بالانفصال عن الطبقة الطبيعيَّة، وهذا قد يولد بعض مشاعر الإحباط وعدم الاستقرار النفسي، ولكن لا تلبث هذه المشاعر أن تزول، خاصة إذا وَجد صاحبها السبيل الصحيح لتجاوز الأزمة، أو وجد من يعينه حقًّا على تجاوزها.

في مثل هذه الحالات، يحتاج الفرد إلى جرعة علاج، هذا العلاج سهل يسير جدًّا، العلاج يَكْمن في أفكارك أنت؛ فأنت في هذه اللَّحظة تفتقر فقط إلى الدَّعم، والمقصود الدعم الذي يدفعك إلى المزيد من التقارب والانسجام الجديد مع أفكارك، ومن ثَمَّ تعود لتؤكِّد نقاط التلاقي وتشعر بالرِّضا والتوازن الداخلي.

البعض ينجح في محاورة ذاته، رغم صعوبة هذا الحوار في لحظات الاعتلال، والكثير قد يفشل في هذه المُحاولات، فعندما تحاور نفسك فأنت مختلف تمامًا عمَّا إذا كنت في محاورةٍ مع غيرك، واقتناعك الداخلي بفكرةٍ ما قد يحتاج إلى بعض التدعيم من شخصٍ آخَر، لكن هذا الآخر سيكون بالضرورة موثوقًا به، وعلى أقلِّ تقدير موثوقًا في مخزونه العاطفيِّ تجاهك، فهو على كل حال لن ينقل إليك فكرةً جديدة، وإنما سيُعيد تلقينك لأفكارك، عندها تصطدم بحقيقتك التي طالما عشقتَها وانسجمت معها، ومع هذا الصدام المفاجئ، تفيق من حالة الياس والإحباط وعدم التوازن، وقد تشعر أنَّك خلال دقائق قد استردَدْت الكثير من قوتك، ومصدر قوتك هو أيضًا أفكارك.

لكن لماذا نشعر أننا ضعفاء فعلاً قبل تلك المواجهة؟
إننا نشعر وقتَها بالوحدة والغربة، فعندما نتغرَّب عن أفكارنا، نتغرب حتى عن أنفسنا، هنا يكون الشعور بالوحدة الداخلية أكثر مرارةً، فليس الغريب مَن يَحْيا وحده دون أصدقاء أو أقارب يقاسمونه ذكرياته وحياته، ويشاركونه آماله وأحلامه، وإنما الغريب من تغرَّب عن أفكاره، ولم يجد من يُقاسمه هذا المخزون الفكري.

عندما تَقِلُّ نقاط التلاقي أو تنعدم نصبح غرباء حقًّا، وعندما تقلُّ هذه النقاط بينك وبين نفسك، يكون الوضع أصعب بكثير.

لأجل هذا؛ لا تَلُم صديقك عندما يحتاج منك إلى هذا الدَّعم النفسي، لا تنتقده بالتخلِّي عن أفكاره ومعتقداته، لا تضغط عليه بتوجيه اللَّوم، لا تبثه المزيد من الأعباء، وقدِّم له العلاج بحبٍّ وثقة بأنه سوف يتقبَّله، وسوف يتخلَّص حتمًا من مشكلاته.

النشر الأول على شبكة الألوكة

الاثنين، 22 أغسطس 2011

العطاء.. متى؟!

العطاء.. متى؟!

متَى يُفترض أن تُسهِم بما لديك مِن عِلم أو خبرة؟

في الواقع ألحَّ عليَّ هذا السؤال بكثرة فيما مضَى، وكنتُ دائمًا أرى: أن على كلِّ فرْد منا أن ينظر لمن هو دونه في العِلم، فيشعر بأنَّ لديه بالفِعل ما يُقدِّمه للآخرين، وأنَّ ما لديه وإنْ كان قليلاً في نظرِه فإنَّه حتمًا سيَعني الكثيرَ بالنسبة للطرَف الآخر.

ولقدْ دفعني لكتابة هذه السطور موقفٌ بسيط تعرَّضتُ له في الآونة الأخيرة، كنتُ أقدِّم درسًا ضمنَ دورة مجَّانية على شبكة الإنترنت، كان موضوع الدورة خاصًّا بتعلم فنِّ التفصيل والخياطة، ولم تكُن تلك تجرِبتي الأولى، وكانتْ دروسي دومًا ناجحةً والحمد لله، وهناك الكثيرات ممَّن تعلمْنَ معي وأبدعنَ أيضًا، وكان منهجي في تقديم كلِّ هذا هو "أنا لستُ بمحترفة أو معلِّمة، وأنَّ العلم للجميع، ومِن حق أيِّ عضو آخَر أن يقدِّم ما لديه، ما دام كان ملتزمًا بآدابِ الحوار واحترام الآخرين، التعالي دومًا مبدأ مرفوض، ما جدَّ في الأمر هو مشاركة أُضيفتْ مِن عضوة جديدة لا تَزيد عني في العمر غير سَنة واحدة، ما أثارني في كلامها هو ثناؤُها على وضوحِ الشَّرْح، ومِن ثَم رأيها بأني ما زلتُ مبتدئة، وهذا واضحٌ مِن الخياطة، ثم ذيلتْ ردَّها بطلب لطيف لقَبول صراحتها، الواقع أنَّ في الأمر ثلاثَ نِقاط تثير الاهتمام:

الأولى: كيف يجتمع لشخصٍ إتقان تقديم المعلومة وشرْحها مصوَّرة، ثم يكون هو أيضًا مبتدئًا ما لم يكُن في الأمر معلومةٌ مفقودة تُجلِّي هذا الغموض، فلا يُتوقَّع مِن معلم لا يتمكَّن مِن نطق حروف العربيَّة بشكل صحيح أن يُلقِّنها لتلاميذه، ثم يأتي شخصٌ ويرَى أنَّ تقديم المادة رائعٌ لكن المعلِّم لا ينطق بشكلٍ جيِّد، ثَمَّة شيء مفقود في الأمْر، هذه حقيقة بالفِعل، فعندما كنت ألتقِط الصور كان لي عُذران هما: الدقَّة الشديدة للكاميرا المستخدَمة في التصوير، والتي تجعل مِن السهل اكتشافَ أيِّ عيوب في التطبيق حتى تلك التي لا تَراها العين المجرَّدة، والثاني هو قصورٌ خلقي في مقدم الدورة يتعلَّق بالجوانب البصريَّة، وهذا أمرٌ لا تتدخَّل فيه الممارسة مهما طالتْ.

لا يمكن لمعلِّم لا يستطيع نُطق حرف الراء مثلاً لعيب خلقي أن يُتقنَ نطقه ولو حاول آلافَ المرَّات، وهذا لا ينتقص مِن كفاءته كمعلِّم على كلِّ حال ما دام يُقدِّم المادة بشكلٍ جيِّد، وما دام عيبٌ كهذا لا يؤثِّر على تحصيل تلاميذه واستيعابهم، إذًا كان الأفضل ألاَّ يُوجه هذا الانتقاد بشكل عام، لو أنَّ القائل تروَّى بعض الشيء، فليس أقسَى على الآخرين مِن انتقاد يضغط على جوانبِ القصور الخلقيَّة فيهم، ليس الكلُّ أقوياء ليردَّ بقوة: بأنَّ هذا راجع لعيب خلقي وقُصور طبيعي فيه لا دخلَ له به.

الثانية: لا يوجد مبرر لطرْح انتقاد، ثم طلب الاعتذار بلُطف لدواعي الصَّراحة، فالواقع أنَّ أحدًا لم يسألكِ الصراحة؛ لتكوني مضطرَّة إليها ما لم تكُن لك دوافع أخرى، أضِف إلى ذلك أنَّ القائل ومَن يُوجه له القول في عُمر واحد تقريبًا، وكلاهما صغيران جدًّا في مِثل هذا المجال، فعندما نحكُم على أداء شخصٍ ما: إذا كان جيِّدًا، علينا أن نراعيَ عوامل عدَّة مِن أهمها العمر وسنوات الخبرة، ومِن البديهي أنَّك لن تقارن بيْن موضوع إنشاء يكتبه طالِب في الإعدادية بموضوع لطالب في الابتدائية، والأغرب أن تلفتَ نظر طالب الابتدائية بأنَّ مستواه بسيط، هذه حقيقة وليستْ بحاجة لأن تُقال، وإلا كانتِ الحقيقة التي ثبتت بالفِعل هي أنَّك الأقلُّ ذكاءً والأكثر سطحيةً.

الثالثة: هل مِن المفترض أن ينتظرَ المرء اكتمالَ الخِبرة والتعلم لينتقل فعليًّا لمرحلة العطاء؟

المشكلة أنَّ العلم لا يَنتهي، وهذا ما سيجعلنا نتحوَّل للأنانيَّة والسلبيَّة، فنتلقَّى دومًا دون مقابل، والمبرِّر الزائف أننا ما زلنا نتعلَّم، وأنَّنا لم نبلغْ بعدُ الحدَّ الكافي لنعطي، هذا هو المقياس الذي بدأتُ به حديثي، وهو متى يفترض بنا أن نُعطي ونُسهِم بعلمنا وخبراتنا؟


أعتقد أنَّ مثل هذه الآراء المثبِّطة قد تؤثِّر على الكثيرين، تبثُّهم اليأس والإحباط، فحقيقة ليس كلُّ البشَر أقوياء يتحمَّلون سمومَ اليأس التي يبثُّها الكثيرون، بعضهم يبثُّها بوعي وقصْد، وهؤلاء هم الأسوأ، وهناك مَن يبثها بجهل وهؤلاء هم الأخْطر، فالقاصد يستهدف أشخاصًا بعينهم وهم غالبًا أقوياء؛ لكي يتحمَّلوا، أما الجاهل فهو يؤذي الكثيرين، البعض منهم سينجو وكثيرون سيهلكون.

المشكلة لا تبدأ مِن هنا، بل مِن نقطة تسبقها بكثير، تبدأ مِن التربية؛ ولهذا أقول: اعتنوا أكثرَ بالتربية الإنسانيَّة والأخلاقيَّة لأبنائكم، علِّموهم كيف ومتى يُعطون الآخرين، حبِّبوا إليهم التبرُّعَ بالعلم، إنَّه أفضل ما تسمو وتجود به النَّفْس، فالعلم لا يفْنَى، وتتناقله الأجيال، ومع تطوُّر وسائل التكنولوجيا أصْبح من السهل جدًّا أن تقدّم للآخرين، وأن تنشر، وأن تخدم الجماعة الأوسع.

تَعلَّموا وعلِّموا أبناءَكم فنَّ العطاء، وهذا هو بيتُ القصيد.

النشر الأول على شبكة الألوكة

http://www.alukah.net/Social/0/33931/#ixzz1Vi69cL6O



الأربعاء، 27 يوليو 2011

إعادة الإنتاج

إعادة الإنتاج

لكلِّ إنسان حياتُه الخاصة التي يحافظُ عليها وعلى سريتها، أو هكذا يفترض أن يكون، وهناك حدودٌ تفصل ما بين الحياةِ الخاصة والعامة، هناك أيضًا أشخاص يتاح لهم الاقتراب من الحياةِ الخاصة، وكل على حسب منزلتِه، لكن ثمة شيء مختلف في حياةِ الكتاب والأدباء والشعراء، إنه ما يُمكن أن نسميَه: "إعادة الإنتاج".

المواقفُ والذكريات والأفكار ملكٌ لصاحبها فقط، بعض هذه الممتلكاتِ تكون على درجةٍ شديدة من الخصوصية، وتجدُ الفردَ يغلق عليها البابَ بإحكام، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب منها، هذا لا يعني كونها غير مشروعة في ذاتِها، ولكن لكونِها شخصيةً وحساسة جدًّا، فيكون من غيرِ المسموح لأحد رؤيتها، هناك ممتلكاتٌ أقل خصوصية؛ كأفكارِنا وبعض مشاعرنا ومواقف حياتنا وحتى ذكرياتنا، فليس من المستحسنِ أن تكون هذه - رغم قلة خصوصيتها - على المشاعِ للجميع، هذا يعني أنك تعرضُ مفاتيحَك الخاصة للبيعِ في متجر عام، ولكن مثل هذه الأشياءِ قابلة لإعادةِ الإنتاج من جديدٍ في قوالب تعبيرية، وقد تكون في الغالبِ أدبيَّة.

ماذا نقصدُ بإعادةِ الإنتاج لمثل هذه المواد الفكرية والممتلكات؟

إنَّ تحويلَ موقف ما إلى مقالٍ أو خاطرة أو جملة موجزة بليغة أو قصة قصيرة ليس عملاً سهلاً، ولكنَّ البعضَ ممن يملك سرَّ القلم ويعرفُ كيف يخطُّ به بشكلٍ جيد يستطيع أن يقومَ بهذه العملية، فتتحول الذكرى أو الموقف إلى شيء آخر، وهنا يصبح المُنْتَجُ الجديد غيرَ شخصي، وقابلاً للنشر أيضًا، إن ذكريات هؤلاء ومشاعرهم ومواقف حياتهم - وإن كانت بسيطة - وخيالهم كلها مواد قابلة لإعادةِ الإنتاجِ والتشكيل، وكلما كانت عمليةُ الإنتاجِ احترافية، وتنطوي على الجوانبِ الفنية كانت أكثرَ إفادة، وكان المنتج أقوى تأثيرًا.

قد يكون الموقفُ في حدِّ ذاته مألوفًا لصاحبِه، وقد لا يوليه المحيطون به اهتمامًا يُذكر، لكنَّ ثمةَ شيئًا مختلفًا يراه هذا، نقطة هناك، فكرة تتراءى من بينِ الأحداث، شخص صامت يحملُ رسالةً بعينيه، إن تحويل مثل هذه اللمحات لكلمات في قوالب تعبيرية محكمة يجعلها أكثر تأثيرًا، كما يعني أن ما خفي على البعض قد يزاح من عليه الستار الآن، وقد تنكشف حقائق ومعانٍ، بعض المشاعر تترجم في هيئة خواطر أو مقالات، وقد تُبنى على الواحدةِ منها قصة أو رواية، على كلِّ حال تحولت المشاعرُ إلى رسالةٍ على هذا النحو، قد تخاطب غافلاً، قد تثري فكرًا آخر، قد تنبه ثالثًا، وقد تؤلم رابعًا، ومع ذلك فالخسائر دائمًا مُتوَقَّعة ولا بد منها؛ لأنَّ الحياة بجملتِها نسبية، ونحن نحسبُ الخسائرَ بالنسبةِ للمكاسب أو العكس، فنقرِّر أيهما أكثر، ولكل عمل خسائر ومكاسب، هذا طبيعي، فأنت لا تربحُ إلا إذا فقدت شيئًا، حتى الوقت يدخل في حسابِ الخسائر أيضًا؛ لتكتب ملخصًا لأحد المواضيع مثلاً، حتمًا ستخسرُ الوقت، ستخسر شيئًا من جهدك، ستضحي بعملٍ آخر، في المقابلِ ستقدِّم مادةً علمية مفيدة، وعليك أن توازنَ بين خسائرِك ومكاسبك، والأمر نسبي ولا عَلاقة له بالتعداد، الفائدة العلمية أكثر أهمية من الوقتِ والجهد، فالعلم يتواتر وهذا يكفي.

إنَّ إدراكَك لعمليةِ إعادة الإنتاج على درجةٍ كبيرة من الأهمية، فحين نعيدُ إنتاج بعض المواقفِ والذكريات نحولها لمنتجاتٍ عامة بطريقة مقصودة ومحسوبة أيضًا، ومع ذلك يظل الأشخاصُ القريبون من صاحبِ القلم مدركين أو قادرين على إدراكِ بعضِ أبعاد هذه المواقف، قد يكونون هم أنفسهم من الشخصياتِ التي شاركت في صناعة مثل هذه الذكريات والمواقف، ورغم أنَّهم يشعرون بذلك، وقد يعتبرون مثل هذا المنتج الجديد شيئًا شخصيًّا، بالرَّغم من هذا، فالجمهورُ الذي يُقدَّم إليه هذا المنتج لا يعلمُ شيئًا عن هذا، هو فقط يتلقَّى فكرةً أو رسالة، وهذا هو هدفُ الكاتب من عمليةِ إعادة الإنتاج والنشر، هذه ليست عمليةً مزعجة وإن كانت جديدة على البعض، الأمرُ فقط بحاجةٍ إلى محاولة للتكيف والتأقلم.

ولأنَّ عمليةَ الكتابة لا تقتصرُ على إعادةِ الإنتاج، فإنَّ الكاتب قد ينتج أعمالاً جديدة المنشأ، إن مصدرَ مثلِ هذه الأعمال قد يكونُ خياله فقط، أو أفكاره التي تراءت في ساعةٍ ما.

إنَّ ترجمة مثل هذه الأفكار ونشرها يفتح مجالاتٍ واسعة لمناقشتها والإضافة إليها مستقبلاً، فلا توجدُ فكرة غير هامة أو لا قيمة لها، قد تدون عبارة موجزة اليوم وتكتب عنها مقالاً غدًا، ليس من المحتومِ أن تكونَ أنت المعني بذاتك من وراء كتاباتك، قد تكتب أيضًا منفعلاً بذكريات صديق أو بموقف رأيته وأنت بالطريق، إنك على كلِّ حال تنفعلُ نتيجة مثير والمثيرات كثيرةٌ ومتعددة.

اليوم ومع تزايُدِ الإقبال على شبكاتِ التواصل الاجتماعي أصبح من الضَّروري أن يميزَ الكثيرون بين ما يجبُ أن ينشر على الجمهورِ العام، وما يجب أن يظلَّ مكنونًا مصانًا، كما أنَّ على مستخدمي مثل هذه الشبكات أن يلموا بأدواتها بشكلٍ جيد، قد تدوِّنُ شيئًا ما وتتيح قراءته لشخصٍ واحد أو مجموعة محددة، قد تدوِّن شيئًا آخر وتتيحُه للجميعِ وتحظره على شخصٍ واحد، قد تكتبُ لعائلتِك فقط، وقد تكتب لأصدقاءِ عملك فقط، وفي الحالتين لا أحدَ يرى ما تكتبُ سوى من اخترتَ مسبقًا، هناك ضوابطُ للخصوصيةِ يمكن الإفادة منها، كذلك هناُك ضوابط يجبُ أن تتوافرَ لديك، وعلى كلِّ حال تظلُّ عملية إعادة الإنتاج أو الإنتاج الجديد تحظى بأهميةٍ عبر هذه الشبكات، يرجعُ السبب إلى سرعةِ الانتشار وهذا هو المطلوب، فحين تكتبُ وتقرِّرُ النَّشرَ فأنت تبحثُ عن وسيلة نشر جيدة وسريعة، ولأنَّ هذه الشبكاتِ تتيحُ ذلك بدون تكاليف تقريبًا، على عكسِ الجرائد والمجلات فقد تستخدمُها لهذا الغرض، هذا يعني أنَّ إنتاجَك خالٍ من التفاصيلِ الشخصية ما دام منتجًا جماهيريًّا، لكن ثمة أشخاص متخوفون من هذه العملية، هذا أيضًا ليس شاذًّا، فعندما تمسك (ميكروفون) الإذاعةِ لتتحدثَ فيه لأول مرة ستشعرُ بالخوفِ؛ لأنَّ ما سوف تصرحُ به سيصلُ لآذانِ الملايين، ومع تَكرارِ التجربةِ يصبحُ الأمرُ يسيرًا، ويبقى المهم هو أن تقرِّرَ ما سوف تقولُه، أنت لا تخشى الجماهير، وتدرك أيضًا أن فكرة طرحت في مقال اليوم يمكن أن تعدلَ في مقال بعد سنة، وكثيرًا ما تراجعَ الأدباءُ عن بعض أفكارهم مع اكتمالِ النضوج الفكري والثقافي، هذا طبيعي، ولو أنَّك انتظرتَ النضجَ الكامل فلن تكتبَ شيئًا، والصَّمتُ لا يدفعُ عادة إلى مزيدٍ من التفكير والنمو، إن كنتَ تملكُ قلمًا وفكرًا فأنتج، لا مشكلة، وانشر وناقش، أنت الرَّابحُ على كلِّ حال.

وختامًا أعودُ فأسجِّلُ هذه العبارةَ التي كتبتها في يومٍ من الأيام على فكرة مشابهة على إحدى الشبكات الاجتماعية: "يَنطقُ القلم فيُنطِق وراءَه الكثيرين"، فتخير لقلمِك حسن الحديث وأصوبه.

النشر الول على شبكة الألوكة

www.alukah.net

الجمعة، 10 يونيو 2011

المدرسة والأسرة للقضاء على الأمية الثقافية والاجتماعية


المدرسة والأسرة للقضاء على الأمية الثقافية والاجتماعية

لم يعد التعليم مطلبًا ضروريًا فحسب للإنسان؛ بل إنه أصبح اليوم حق لكل إنسان يناله ليتمكن من مواصلة حياته على نحو طبيعي ومثمر أيضًا، ولم يعد التعليم قاصرًا على الإلمام بقواعد القراءة والكتابة فقط، ولم يعد أيضًا مسمى الأمية قاصرًا على أولئك ممن لا يملكون مهارة القراءة والكتابة، بل أصبحت هناك أمية ثقافية وأمية تكنولوجية وأمية اجتماعية.
وفي الوقت الذي تركز فيه وسائل الإعلام والمدارس على الجوانب التكنولوجية ، وادخال التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية تحقيقًا لهدف الإفادة منها على أقصى ما يمكن داخل الفصول الدراسية، وتحقيقًا لاستخدام التلاميذ لها واكسابهم المهارات العملية في هذا المجال - وفي ظل هذا كله يبدو أن الأمية الثقافية والاجتماعية لا تنال القدر الكافي من الاهتمام سواء داخل المدرسة أو الأسرة.
والثقافة هي مصطلح شدبد الاتساع والشمول أيضًا، وتضم الثقافة أساليب الحياة التي يعيشها الفرد وما يكتسبه من أسرته ومجتمعه، وتضم قيمة وتقاليده وأعراف مجتمعه، وخبراته الشخصية التي يكتسبها بنفسه، والخبرات الجماعية التي يكتسبها من مجتمعه والمحيطين به، وأيضًا لغته ومقدار حصيلته اللغوية، ومعلوماته ومعارفه العامة والخاصة، وبالطبع يندر أن تتحقق الأمية الثقافية بنفس الشكل الذي تتحقق به الأمية الهجائية، إلا أن أقل القليل من الثقافة يعد بمثابة أمية أيضًا.
وهناك الأمية الاجتماعية، ويمكن أن نقول أنها نقص المهارات الاجتماعية، ومن ذلك مهارات الاستماع والحوار والشجاعة الأدبية والقدرة على التفاعل في الجماعات الصغيرة والكبيرة نسبيًا، وعدم الخوف من مواجهة المجتمع، ومن الجدير بالذكر أن هذه المهارات تحتاج في الأساس لبناء نفسي قوي وثابت، أي أنها تحتاج إلى تقدير إيجابي للذات يولد ثقة بالنفس ومن ثم القدرة على اكتساب مثل هذه المهارات التي بدورها ستعزز هذا التقدير وتزيد الثقة وتدفع للنجاح.
إن العمل على تحقيق البناء النفسي الجيد ومن ثم اكتساب المهارات الاجتماعية سيساعد على توسيع دائرة الثقافة للفرد، وسيجعله أكثر رغبة للقراءة والإفادة من الآخرين وتقديم المساعدة لهم أيضًا، وهذه العملية تبدأ منذ السنوات الأولى للطفل، والمفترض ألا يقتصر دور المدرسة على تزويد الطفل بالمعلومات فقط، بل لابد من مراعاة خطوط الثقافة العامة وبأسلوب يتناسب مع التكنولوجيا الحديثة ومعطيات العصر، وإن كانت القراءة وما تزال وستزال الطريقة الأمثل لتلقي المعلومات ـ فإن عملية القراءة تحتاج لإمكانيات وليس مجرد توفير مكتبة داخل المدرسة، الأمر بحاجة لاهتمام حقيقي لتكوين مكتبة مناسبة تشتمل على الكتب الملائمة لكل مرحلة دراسية على أن ترتب على هذا الأساس مما يساعد الطلاب على التجول فيها بحرية والتماس متعة اختيار كتاب معين لقراءته، كما لابد وأن تصمم على نحو جذاب ، وقد تقسم لأركان بحيث يختلف ديكور كل قسم عن غيره تبعًا للمرحلة العمرية التي يُخصص لها، وعلى أن تراعى فيها عوامل الراحة الحقيقية على نحو عملي وليس على نحو نظري فقط، ومن المفيد توفير مربيين متخصصين لإدارة المكتبة وتحفيز الطلاب على القراءة وعقد المسابقات الثقافية بجوائز قيمة، وعلى أن يراعى في ذلك اكساب الأطفال الشجاعة الأدبية التي تمكنهم من مناقشة ما قرؤوه أو طرح الأسئلة أو سرد ملخص لما استوعبوه.
ويمكن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة داخل المكتبات وذلك عن طريق توفير الكتب الإلكترونية وعلى أن تتوفر أجهزة كومبيوتر حديثة وشاشات بأحجام مناسبة، ومراعاة الأطفال الذين يعانون من مشكلات بصرية أو سمعية ضرورة داخل المدارس ، وقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة على تيسير مهمة المدرسة في هذا الشأن، ويمكن أيضًا تحفيز الطلاب على القراءة عن طريق توزيع اسطوانات الكتب والقصص مجانًا كنوع من أنواع المهاداة من المدرسة، وقد تعقد المسابقات الجماعية حول هذه القصص ، ومن المهم جدًا تطوير مهارات التعبير لدى الطلاب وخاصة التعبير الإرتجالي، وتلعب إذاعة المدرسة دورًا هامًا في هذا المجال على أن تنظم بشكل جيد، وعلى أن تكون الموضوعات المطروحة فيها شيقة وممتعة ومفيدة، ومن عوامل نجاح الإذاعة المدرسية ارتباطها الوثيق بالطلاب عن طريق اعداد الاستقصاءات لمعرفة مايهم الطلاب وما يثير انتباههم وفضولهم ومحاولة إشباعة، والصحافة الإلكترونية مفيدة لطلاب الصفوف العليا كالمراحل المتوسطة والثانوية بشكل خاص، وتمثل الصحافة الإلكترونية مشروعًا رائعًا يقوم على تنفيذه مجموعة من الطلاب قد تزيد عن عشرة طلاب في مشروع واحد، ومع هذا فالأمر يتطلب إمكانيات تكنولوجية ورغبة حقيقية من إدارة المدرسة.
وبالرغم من أن كل ما سبق يخص المدرسة كمؤسسة تعليمية فإن الأسرة كمؤسسة اجتماعية لها دور شديد الأهمية، فحث الابناء على المشاركة في الإذاعة المدرسية ومسرح المدرسة وتنظيم الحفلات ضرورة، وحين يرفض الطفل ذلك بدواعي الخجل والخوف فيكون الأفضل طلب ذلك من المعلم أو المعلمة ليختار بنفسه هذا الطفل باعتباره متميزًا وسيحقق نجاحًا، مما يزيد من ثقة الطفل بنفسه ويجعله في مواجهة الموقف ، ومع تشجيع الأسرة سيتغلب على خجله أو خوفه بالتكرار، مما يعني شخصية أقوى وأكثر تماسكًا.
وعقد المسابقات الثقافية في المنزل من الأنشطة المفيدة خاصة في الأسر الكبيرة حيث يتولى تنظيم هذه المسابقات أحد الأعمام أو الأخوال مثلاً، ويكون المشاركون من جميع أفراد الأسرة من سن متقارب، وقد تكلف الأم أو الأب كل ابن بتقديم ورقة عمل عن موضوع معين كل أسبوع، وذلك بمفهوم بسيط للتشجيع على القراءة والبحث، على أن تستغل الفكرة لزيادة شجاعة الابن وذلك بأن يقوم بقراءة ما جمع من معلومات على بقية أفراد الأسرة.
ومع تكرار النشاطات يمكننا أن نحصل على جيل جديد من الأطفال بوعي وثقافة وشجاعة أدبية وفكرية أيضًا، ويكون بإمكاننا أن ننظر لغد نظرة أكثر إشراقًا.

نسمه السيد ممدوح
1 يونيو 2011

النشر الأول في شبكة الألوكة

www.alukah.net

اتبعني على Facebook