الأربعاء، 14 سبتمبر 2011
توكيد الأفكار
الاثنين، 22 أغسطس 2011
العطاء.. متى؟!
متَى يُفترض أن تُسهِم بما لديك مِن عِلم أو خبرة؟
في الواقع ألحَّ عليَّ هذا السؤال بكثرة فيما مضَى، وكنتُ دائمًا أرى: أن على كلِّ فرْد منا أن ينظر لمن هو دونه في العِلم، فيشعر بأنَّ لديه بالفِعل ما يُقدِّمه للآخرين، وأنَّ ما لديه وإنْ كان قليلاً في نظرِه فإنَّه حتمًا سيَعني الكثيرَ بالنسبة للطرَف الآخر.
ولقدْ دفعني لكتابة هذه السطور موقفٌ بسيط تعرَّضتُ له في الآونة الأخيرة، كنتُ أقدِّم درسًا ضمنَ دورة مجَّانية على شبكة الإنترنت، كان موضوع الدورة خاصًّا بتعلم فنِّ التفصيل والخياطة، ولم تكُن تلك تجرِبتي الأولى، وكانتْ دروسي دومًا ناجحةً والحمد لله، وهناك الكثيرات ممَّن تعلمْنَ معي وأبدعنَ أيضًا، وكان منهجي في تقديم كلِّ هذا هو "أنا لستُ بمحترفة أو معلِّمة، وأنَّ العلم للجميع، ومِن حق أيِّ عضو آخَر أن يقدِّم ما لديه، ما دام كان ملتزمًا بآدابِ الحوار واحترام الآخرين، التعالي دومًا مبدأ مرفوض، ما جدَّ في الأمر هو مشاركة أُضيفتْ مِن عضوة جديدة لا تَزيد عني في العمر غير سَنة واحدة، ما أثارني في كلامها هو ثناؤُها على وضوحِ الشَّرْح، ومِن ثَم رأيها بأني ما زلتُ مبتدئة، وهذا واضحٌ مِن الخياطة، ثم ذيلتْ ردَّها بطلب لطيف لقَبول صراحتها، الواقع أنَّ في الأمر ثلاثَ نِقاط تثير الاهتمام:
الأولى: كيف يجتمع لشخصٍ إتقان تقديم المعلومة وشرْحها مصوَّرة، ثم يكون هو أيضًا مبتدئًا ما لم يكُن في الأمر معلومةٌ مفقودة تُجلِّي هذا الغموض، فلا يُتوقَّع مِن معلم لا يتمكَّن مِن نطق حروف العربيَّة بشكل صحيح أن يُلقِّنها لتلاميذه، ثم يأتي شخصٌ ويرَى أنَّ تقديم المادة رائعٌ لكن المعلِّم لا ينطق بشكلٍ جيِّد، ثَمَّة شيء مفقود في الأمْر، هذه حقيقة بالفِعل، فعندما كنت ألتقِط الصور كان لي عُذران هما: الدقَّة الشديدة للكاميرا المستخدَمة في التصوير، والتي تجعل مِن السهل اكتشافَ أيِّ عيوب في التطبيق حتى تلك التي لا تَراها العين المجرَّدة، والثاني هو قصورٌ خلقي في مقدم الدورة يتعلَّق بالجوانب البصريَّة، وهذا أمرٌ لا تتدخَّل فيه الممارسة مهما طالتْ.
لا يمكن لمعلِّم لا يستطيع نُطق حرف الراء مثلاً لعيب خلقي أن يُتقنَ نطقه ولو حاول آلافَ المرَّات، وهذا لا ينتقص مِن كفاءته كمعلِّم على كلِّ حال ما دام يُقدِّم المادة بشكلٍ جيِّد، وما دام عيبٌ كهذا لا يؤثِّر على تحصيل تلاميذه واستيعابهم، إذًا كان الأفضل ألاَّ يُوجه هذا الانتقاد بشكل عام، لو أنَّ القائل تروَّى بعض الشيء، فليس أقسَى على الآخرين مِن انتقاد يضغط على جوانبِ القصور الخلقيَّة فيهم، ليس الكلُّ أقوياء ليردَّ بقوة: بأنَّ هذا راجع لعيب خلقي وقُصور طبيعي فيه لا دخلَ له به.
الثانية: لا يوجد مبرر لطرْح انتقاد، ثم طلب الاعتذار بلُطف لدواعي الصَّراحة، فالواقع أنَّ أحدًا لم يسألكِ الصراحة؛ لتكوني مضطرَّة إليها ما لم تكُن لك دوافع أخرى، أضِف إلى ذلك أنَّ القائل ومَن يُوجه له القول في عُمر واحد تقريبًا، وكلاهما صغيران جدًّا في مِثل هذا المجال، فعندما نحكُم على أداء شخصٍ ما: إذا كان جيِّدًا، علينا أن نراعيَ عوامل عدَّة مِن أهمها العمر وسنوات الخبرة، ومِن البديهي أنَّك لن تقارن بيْن موضوع إنشاء يكتبه طالِب في الإعدادية بموضوع لطالب في الابتدائية، والأغرب أن تلفتَ نظر طالب الابتدائية بأنَّ مستواه بسيط، هذه حقيقة وليستْ بحاجة لأن تُقال، وإلا كانتِ الحقيقة التي ثبتت بالفِعل هي أنَّك الأقلُّ ذكاءً والأكثر سطحيةً.
الثالثة: هل مِن المفترض أن ينتظرَ المرء اكتمالَ الخِبرة والتعلم لينتقل فعليًّا لمرحلة العطاء؟
المشكلة أنَّ العلم لا يَنتهي، وهذا ما سيجعلنا نتحوَّل للأنانيَّة والسلبيَّة، فنتلقَّى دومًا دون مقابل، والمبرِّر الزائف أننا ما زلنا نتعلَّم، وأنَّنا لم نبلغْ بعدُ الحدَّ الكافي لنعطي، هذا هو المقياس الذي بدأتُ به حديثي، وهو متى يفترض بنا أن نُعطي ونُسهِم بعلمنا وخبراتنا؟
أعتقد أنَّ مثل هذه الآراء المثبِّطة قد تؤثِّر على الكثيرين، تبثُّهم اليأس والإحباط، فحقيقة ليس كلُّ البشَر أقوياء يتحمَّلون سمومَ اليأس التي يبثُّها الكثيرون، بعضهم يبثُّها بوعي وقصْد، وهؤلاء هم الأسوأ، وهناك مَن يبثها بجهل وهؤلاء هم الأخْطر، فالقاصد يستهدف أشخاصًا بعينهم وهم غالبًا أقوياء؛ لكي يتحمَّلوا، أما الجاهل فهو يؤذي الكثيرين، البعض منهم سينجو وكثيرون سيهلكون.
المشكلة لا تبدأ مِن هنا، بل مِن نقطة تسبقها بكثير، تبدأ مِن التربية؛ ولهذا أقول: اعتنوا أكثرَ بالتربية الإنسانيَّة والأخلاقيَّة لأبنائكم، علِّموهم كيف ومتى يُعطون الآخرين، حبِّبوا إليهم التبرُّعَ بالعلم، إنَّه أفضل ما تسمو وتجود به النَّفْس، فالعلم لا يفْنَى، وتتناقله الأجيال، ومع تطوُّر وسائل التكنولوجيا أصْبح من السهل جدًّا أن تقدّم للآخرين، وأن تنشر، وأن تخدم الجماعة الأوسع.
تَعلَّموا وعلِّموا أبناءَكم فنَّ العطاء، وهذا هو بيتُ القصيد.
الأربعاء، 27 يوليو 2011
إعادة الإنتاج
إعادة الإنتاج
لكلِّ إنسان حياتُه الخاصة التي يحافظُ عليها وعلى سريتها، أو هكذا يفترض أن يكون، وهناك حدودٌ تفصل ما بين الحياةِ الخاصة والعامة، هناك أيضًا أشخاص يتاح لهم الاقتراب من الحياةِ الخاصة، وكل على حسب منزلتِه، لكن ثمة شيء مختلف في حياةِ الكتاب والأدباء والشعراء، إنه ما يُمكن أن نسميَه: "إعادة الإنتاج".
المواقفُ والذكريات والأفكار ملكٌ لصاحبها فقط، بعض هذه الممتلكاتِ تكون على درجةٍ شديدة من الخصوصية، وتجدُ الفردَ يغلق عليها البابَ بإحكام، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب منها، هذا لا يعني كونها غير مشروعة في ذاتِها، ولكن لكونِها شخصيةً وحساسة جدًّا، فيكون من غيرِ المسموح لأحد رؤيتها، هناك ممتلكاتٌ أقل خصوصية؛ كأفكارِنا وبعض مشاعرنا ومواقف حياتنا وحتى ذكرياتنا، فليس من المستحسنِ أن تكون هذه - رغم قلة خصوصيتها - على المشاعِ للجميع، هذا يعني أنك تعرضُ مفاتيحَك الخاصة للبيعِ في متجر عام، ولكن مثل هذه الأشياءِ قابلة لإعادةِ الإنتاج من جديدٍ في قوالب تعبيرية، وقد تكون في الغالبِ أدبيَّة.
ماذا نقصدُ بإعادةِ الإنتاج لمثل هذه المواد الفكرية والممتلكات؟
إنَّ تحويلَ موقف ما إلى مقالٍ أو خاطرة أو جملة موجزة بليغة أو قصة قصيرة ليس عملاً سهلاً، ولكنَّ البعضَ ممن يملك سرَّ القلم ويعرفُ كيف يخطُّ به بشكلٍ جيد يستطيع أن يقومَ بهذه العملية، فتتحول الذكرى أو الموقف إلى شيء آخر، وهنا يصبح المُنْتَجُ الجديد غيرَ شخصي، وقابلاً للنشر أيضًا، إن ذكريات هؤلاء ومشاعرهم ومواقف حياتهم - وإن كانت بسيطة - وخيالهم كلها مواد قابلة لإعادةِ الإنتاجِ والتشكيل، وكلما كانت عمليةُ الإنتاجِ احترافية، وتنطوي على الجوانبِ الفنية كانت أكثرَ إفادة، وكان المنتج أقوى تأثيرًا.
قد يكون الموقفُ في حدِّ ذاته مألوفًا لصاحبِه، وقد لا يوليه المحيطون به اهتمامًا يُذكر، لكنَّ ثمةَ شيئًا مختلفًا يراه هذا، نقطة هناك، فكرة تتراءى من بينِ الأحداث، شخص صامت يحملُ رسالةً بعينيه، إن تحويل مثل هذه اللمحات لكلمات في قوالب تعبيرية محكمة يجعلها أكثر تأثيرًا، كما يعني أن ما خفي على البعض قد يزاح من عليه الستار الآن، وقد تنكشف حقائق ومعانٍ، بعض المشاعر تترجم في هيئة خواطر أو مقالات، وقد تُبنى على الواحدةِ منها قصة أو رواية، على كلِّ حال تحولت المشاعرُ إلى رسالةٍ على هذا النحو، قد تخاطب غافلاً، قد تثري فكرًا آخر، قد تنبه ثالثًا، وقد تؤلم رابعًا، ومع ذلك فالخسائر دائمًا مُتوَقَّعة ولا بد منها؛ لأنَّ الحياة بجملتِها نسبية، ونحن نحسبُ الخسائرَ بالنسبةِ للمكاسب أو العكس، فنقرِّر أيهما أكثر، ولكل عمل خسائر ومكاسب، هذا طبيعي، فأنت لا تربحُ إلا إذا فقدت شيئًا، حتى الوقت يدخل في حسابِ الخسائر أيضًا؛ لتكتب ملخصًا لأحد المواضيع مثلاً، حتمًا ستخسرُ الوقت، ستخسر شيئًا من جهدك، ستضحي بعملٍ آخر، في المقابلِ ستقدِّم مادةً علمية مفيدة، وعليك أن توازنَ بين خسائرِك ومكاسبك، والأمر نسبي ولا عَلاقة له بالتعداد، الفائدة العلمية أكثر أهمية من الوقتِ والجهد، فالعلم يتواتر وهذا يكفي.
إنَّ إدراكَك لعمليةِ إعادة الإنتاج على درجةٍ كبيرة من الأهمية، فحين نعيدُ إنتاج بعض المواقفِ والذكريات نحولها لمنتجاتٍ عامة بطريقة مقصودة ومحسوبة أيضًا، ومع ذلك يظل الأشخاصُ القريبون من صاحبِ القلم مدركين أو قادرين على إدراكِ بعضِ أبعاد هذه المواقف، قد يكونون هم أنفسهم من الشخصياتِ التي شاركت في صناعة مثل هذه الذكريات والمواقف، ورغم أنَّهم يشعرون بذلك، وقد يعتبرون مثل هذا المنتج الجديد شيئًا شخصيًّا، بالرَّغم من هذا، فالجمهورُ الذي يُقدَّم إليه هذا المنتج لا يعلمُ شيئًا عن هذا، هو فقط يتلقَّى فكرةً أو رسالة، وهذا هو هدفُ الكاتب من عمليةِ إعادة الإنتاج والنشر، هذه ليست عمليةً مزعجة وإن كانت جديدة على البعض، الأمرُ فقط بحاجةٍ إلى محاولة للتكيف والتأقلم.
ولأنَّ عمليةَ الكتابة لا تقتصرُ على إعادةِ الإنتاج، فإنَّ الكاتب قد ينتج أعمالاً جديدة المنشأ، إن مصدرَ مثلِ هذه الأعمال قد يكونُ خياله فقط، أو أفكاره التي تراءت في ساعةٍ ما.
إنَّ ترجمة مثل هذه الأفكار ونشرها يفتح مجالاتٍ واسعة لمناقشتها والإضافة إليها مستقبلاً، فلا توجدُ فكرة غير هامة أو لا قيمة لها، قد تدون عبارة موجزة اليوم وتكتب عنها مقالاً غدًا، ليس من المحتومِ أن تكونَ أنت المعني بذاتك من وراء كتاباتك، قد تكتب أيضًا منفعلاً بذكريات صديق أو بموقف رأيته وأنت بالطريق، إنك على كلِّ حال تنفعلُ نتيجة مثير والمثيرات كثيرةٌ ومتعددة.
اليوم ومع تزايُدِ الإقبال على شبكاتِ التواصل الاجتماعي أصبح من الضَّروري أن يميزَ الكثيرون بين ما يجبُ أن ينشر على الجمهورِ العام، وما يجب أن يظلَّ مكنونًا مصانًا، كما أنَّ على مستخدمي مثل هذه الشبكات أن يلموا بأدواتها بشكلٍ جيد، قد تدوِّنُ شيئًا ما وتتيح قراءته لشخصٍ واحد أو مجموعة محددة، قد تدوِّن شيئًا آخر وتتيحُه للجميعِ وتحظره على شخصٍ واحد، قد تكتبُ لعائلتِك فقط، وقد تكتب لأصدقاءِ عملك فقط، وفي الحالتين لا أحدَ يرى ما تكتبُ سوى من اخترتَ مسبقًا، هناك ضوابطُ للخصوصيةِ يمكن الإفادة منها، كذلك هناُك ضوابط يجبُ أن تتوافرَ لديك، وعلى كلِّ حال تظلُّ عملية إعادة الإنتاج أو الإنتاج الجديد تحظى بأهميةٍ عبر هذه الشبكات، يرجعُ السبب إلى سرعةِ الانتشار وهذا هو المطلوب، فحين تكتبُ وتقرِّرُ النَّشرَ فأنت تبحثُ عن وسيلة نشر جيدة وسريعة، ولأنَّ هذه الشبكاتِ تتيحُ ذلك بدون تكاليف تقريبًا، على عكسِ الجرائد والمجلات فقد تستخدمُها لهذا الغرض، هذا يعني أنَّ إنتاجَك خالٍ من التفاصيلِ الشخصية ما دام منتجًا جماهيريًّا، لكن ثمة أشخاص متخوفون من هذه العملية، هذا أيضًا ليس شاذًّا، فعندما تمسك (ميكروفون) الإذاعةِ لتتحدثَ فيه لأول مرة ستشعرُ بالخوفِ؛ لأنَّ ما سوف تصرحُ به سيصلُ لآذانِ الملايين، ومع تَكرارِ التجربةِ يصبحُ الأمرُ يسيرًا، ويبقى المهم هو أن تقرِّرَ ما سوف تقولُه، أنت لا تخشى الجماهير، وتدرك أيضًا أن فكرة طرحت في مقال اليوم يمكن أن تعدلَ في مقال بعد سنة، وكثيرًا ما تراجعَ الأدباءُ عن بعض أفكارهم مع اكتمالِ النضوج الفكري والثقافي، هذا طبيعي، ولو أنَّك انتظرتَ النضجَ الكامل فلن تكتبَ شيئًا، والصَّمتُ لا يدفعُ عادة إلى مزيدٍ من التفكير والنمو، إن كنتَ تملكُ قلمًا وفكرًا فأنتج، لا مشكلة، وانشر وناقش، أنت الرَّابحُ على كلِّ حال.
وختامًا أعودُ فأسجِّلُ هذه العبارةَ التي كتبتها في يومٍ من الأيام على فكرة مشابهة على إحدى الشبكات الاجتماعية: "يَنطقُ القلم فيُنطِق وراءَه الكثيرين"، فتخير لقلمِك حسن الحديث وأصوبه.
النشر الول على شبكة الألوكة
الجمعة، 10 يونيو 2011
المدرسة والأسرة للقضاء على الأمية الثقافية والاجتماعية
وفي الوقت الذي تركز فيه وسائل الإعلام والمدارس على الجوانب التكنولوجية ، وادخال التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية تحقيقًا لهدف الإفادة منها على أقصى ما يمكن داخل الفصول الدراسية، وتحقيقًا لاستخدام التلاميذ لها واكسابهم المهارات العملية في هذا المجال - وفي ظل هذا كله يبدو أن الأمية الثقافية والاجتماعية لا تنال القدر الكافي من الاهتمام سواء داخل المدرسة أو الأسرة.
والثقافة هي مصطلح شدبد الاتساع والشمول أيضًا، وتضم الثقافة أساليب الحياة التي يعيشها الفرد وما يكتسبه من أسرته ومجتمعه، وتضم قيمة وتقاليده وأعراف مجتمعه، وخبراته الشخصية التي يكتسبها بنفسه، والخبرات الجماعية التي يكتسبها من مجتمعه والمحيطين به، وأيضًا لغته ومقدار حصيلته اللغوية، ومعلوماته ومعارفه العامة والخاصة، وبالطبع يندر أن تتحقق الأمية الثقافية بنفس الشكل الذي تتحقق به الأمية الهجائية، إلا أن أقل القليل من الثقافة يعد بمثابة أمية أيضًا.
وهناك الأمية الاجتماعية، ويمكن أن نقول أنها نقص المهارات الاجتماعية، ومن ذلك مهارات الاستماع والحوار والشجاعة الأدبية والقدرة على التفاعل في الجماعات الصغيرة والكبيرة نسبيًا، وعدم الخوف من مواجهة المجتمع، ومن الجدير بالذكر أن هذه المهارات تحتاج في الأساس لبناء نفسي قوي وثابت، أي أنها تحتاج إلى تقدير إيجابي للذات يولد ثقة بالنفس ومن ثم القدرة على اكتساب مثل هذه المهارات التي بدورها ستعزز هذا التقدير وتزيد الثقة وتدفع للنجاح.
إن العمل على تحقيق البناء النفسي الجيد ومن ثم اكتساب المهارات الاجتماعية سيساعد على توسيع دائرة الثقافة للفرد، وسيجعله أكثر رغبة للقراءة والإفادة من الآخرين وتقديم المساعدة لهم أيضًا، وهذه العملية تبدأ منذ السنوات الأولى للطفل، والمفترض ألا يقتصر دور المدرسة على تزويد الطفل بالمعلومات فقط، بل لابد من مراعاة خطوط الثقافة العامة وبأسلوب يتناسب مع التكنولوجيا الحديثة ومعطيات العصر، وإن كانت القراءة وما تزال وستزال الطريقة الأمثل لتلقي المعلومات ـ فإن عملية القراءة تحتاج لإمكانيات وليس مجرد توفير مكتبة داخل المدرسة، الأمر بحاجة لاهتمام حقيقي لتكوين مكتبة مناسبة تشتمل على الكتب الملائمة لكل مرحلة دراسية على أن ترتب على هذا الأساس مما يساعد الطلاب على التجول فيها بحرية والتماس متعة اختيار كتاب معين لقراءته، كما لابد وأن تصمم على نحو جذاب ، وقد تقسم لأركان بحيث يختلف ديكور كل قسم عن غيره تبعًا للمرحلة العمرية التي يُخصص لها، وعلى أن تراعى فيها عوامل الراحة الحقيقية على نحو عملي وليس على نحو نظري فقط، ومن المفيد توفير مربيين متخصصين لإدارة المكتبة وتحفيز الطلاب على القراءة وعقد المسابقات الثقافية بجوائز قيمة، وعلى أن يراعى في ذلك اكساب الأطفال الشجاعة الأدبية التي تمكنهم من مناقشة ما قرؤوه أو طرح الأسئلة أو سرد ملخص لما استوعبوه.
ويمكن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة داخل المكتبات وذلك عن طريق توفير الكتب الإلكترونية وعلى أن تتوفر أجهزة كومبيوتر حديثة وشاشات بأحجام مناسبة، ومراعاة الأطفال الذين يعانون من مشكلات بصرية أو سمعية ضرورة داخل المدارس ، وقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة على تيسير مهمة المدرسة في هذا الشأن، ويمكن أيضًا تحفيز الطلاب على القراءة عن طريق توزيع اسطوانات الكتب والقصص مجانًا كنوع من أنواع المهاداة من المدرسة، وقد تعقد المسابقات الجماعية حول هذه القصص ، ومن المهم جدًا تطوير مهارات التعبير لدى الطلاب وخاصة التعبير الإرتجالي، وتلعب إذاعة المدرسة دورًا هامًا في هذا المجال على أن تنظم بشكل جيد، وعلى أن تكون الموضوعات المطروحة فيها شيقة وممتعة ومفيدة، ومن عوامل نجاح الإذاعة المدرسية ارتباطها الوثيق بالطلاب عن طريق اعداد الاستقصاءات لمعرفة مايهم الطلاب وما يثير انتباههم وفضولهم ومحاولة إشباعة، والصحافة الإلكترونية مفيدة لطلاب الصفوف العليا كالمراحل المتوسطة والثانوية بشكل خاص، وتمثل الصحافة الإلكترونية مشروعًا رائعًا يقوم على تنفيذه مجموعة من الطلاب قد تزيد عن عشرة طلاب في مشروع واحد، ومع هذا فالأمر يتطلب إمكانيات تكنولوجية ورغبة حقيقية من إدارة المدرسة.
وبالرغم من أن كل ما سبق يخص المدرسة كمؤسسة تعليمية فإن الأسرة كمؤسسة اجتماعية لها دور شديد الأهمية، فحث الابناء على المشاركة في الإذاعة المدرسية ومسرح المدرسة وتنظيم الحفلات ضرورة، وحين يرفض الطفل ذلك بدواعي الخجل والخوف فيكون الأفضل طلب ذلك من المعلم أو المعلمة ليختار بنفسه هذا الطفل باعتباره متميزًا وسيحقق نجاحًا، مما يزيد من ثقة الطفل بنفسه ويجعله في مواجهة الموقف ، ومع تشجيع الأسرة سيتغلب على خجله أو خوفه بالتكرار، مما يعني شخصية أقوى وأكثر تماسكًا.
وعقد المسابقات الثقافية في المنزل من الأنشطة المفيدة خاصة في الأسر الكبيرة حيث يتولى تنظيم هذه المسابقات أحد الأعمام أو الأخوال مثلاً، ويكون المشاركون من جميع أفراد الأسرة من سن متقارب، وقد تكلف الأم أو الأب كل ابن بتقديم ورقة عمل عن موضوع معين كل أسبوع، وذلك بمفهوم بسيط للتشجيع على القراءة والبحث، على أن تستغل الفكرة لزيادة شجاعة الابن وذلك بأن يقوم بقراءة ما جمع من معلومات على بقية أفراد الأسرة.
ومع تكرار النشاطات يمكننا أن نحصل على جيل جديد من الأطفال بوعي وثقافة وشجاعة أدبية وفكرية أيضًا، ويكون بإمكاننا أن ننظر لغد نظرة أكثر إشراقًا.
1 يونيو 2011
النشر الأول في شبكة الألوكة
www.alukah.net
الثلاثاء، 31 مايو 2011
سمر الروح
31 مايو 2011
الأحد، 22 مايو 2011
ساعة من يومك لغد
إن قدرة الإنسان على العطاء والعمل والاتقان مرهونة بكفاءته وخبرته من ناحية، وتأهيله النفسي وقدراته ومعنوياته من ناحية أخرى، لا يكفي أن تكون ملمًا بعلم ما أو متقنًا لحرفة ما حتى تتم عملك على أفضل ما يكون، إن الأشخاص المرهقون والذين يعانون من مشكلات نفسية حتى لو لم تكن كبيرة قد تواجههم صعوبة العمل باتقان، وبالطبع لن يشعروا بمتعة هذا العمل وسيكون نوعًا من العقاب الذي تفرضه عليهم الحياة بطبيعتها، قد يكون العلاج سهلاً وفي متناول الجميع، لكن هناك من يرفض تعاطيه، وهناك من يسيء تعاطيه، كما أن الإفراط فيه يعني تعريض الحياة بجملتها لأخطار التسيب والإهمال.
إن حصول الفرد على ما يكفيه من الترفيه بشكل مستمر وقد يكون بشكل يومي ضروري جدًا، وهناك اشكالية حول طبيعة ها الترفيه ومدته، فالترفيه لا يعني أن تستقطع من يومك ساعات طويلة أربع أو خمس ساعات، يكفي أن تمنح نفسك ولو ساعة واحدة لتحصل على الترويح المطلوب، لكن عليك أن تذكر أن ساعة الترويح ضرورية في يومك وعليك أن تحسب حسابها لا أن تتنازل عنها بسهولة في خضم الحياة، ومهما كان حجم المسؤوليات الإجتماعية الملقاه على عاتقك فعليك أن تتمسك وبشدة على الحصول على هذه الساعة، هذا لا يعني أنك شخص أناني؛ وإنما يعني أنك تدرك قيمة هذه الساعة في يوم غد، لأن الضغط النفسي والعمل المستمر حتمًا سيولد لديك الشعور بالإرهاق والملل، وعندها لن تكون بحاجة لساعة واحدة للترويح، بل قد تحتاج لخطة طويلة الأمد نوعًا ما لتستعيد حيويتك ونشاطك، كما أنك ستكون معرضًا لخطر الانتكاس مع التعرض للمواقف والظروف الضاغطة في تلك الفترة.
وإن أنت سلمت بحاجتك لهذه الساعة فعليك أن تبحث عن وسيلة ترويح مناسبة، المشكلة أن الكثير جدًا يغلب عليهم هذا الانطباع: الترويح يعني الضحك وبالتالي فالحل هو مشاهدة فيلم كوميدي أو الجلوس مع الأصدقاء لتبادل النوادر والأحاديث الفكاهية، ومع أن هذا أو ذاك قد يسليك لبعض الوقت فإن الترويح الحقيقي يعني شيء أكثر عمقًا من هذا، إن مطالعة كتاب ما لأجل المتعة والفائدة الغير مباشرة يعتبر نوعًا من الترويح الإيجابي بحق، أنت تشغل ساعة من ساعات وقتك الثمين بما يخفف عنك ضغوط الحياة من جهة، ويمدك بالإفادة من جهة أخرى، ومع ذلك فنوعية الكتاب المطلوب هنا ذات درجة كبيرة من الأهمية، فكتب الترويح تعطيك الفائدة ولا تحتاج إلى تركيز شديد كما هو الحال عند قراءة الكتب السياسية مثلاً، لا تعجب أن تكون الروياات القيمة نوعًا من أنواع الترويح المفيد، لأن المؤلفات الروائية الكبيرة هي أكثر من مجرد سرد لأحداث رواية فقط، وإنما غالبًا ما تحمل بين جنباتها الكثير من الإشارات والعبارات الفلسفية التي ستقودك للتفكير والتأمل، وبعضها يعالج موضوعات ذات جانب تاريخي مما ينعش ذاكرتك التاريخية وهكذا، أضف إلى هذا زيادة حصيلتك اللغوية تلك الحصيلة التي تظل بحاجة لإضافة وصقل على مدى الحياة.
بعض الأفلام السينمائية تعتبر وسيلة من وسائل الترويح عن النفس، ورغم أن المُشاهد يدرك جيدًا أن ما يراه على الشاشة ليس حقيقيًا؛ إلا أن تجاهل هذه الحقيقة هو ما سيجعلك تفيد حقًا من مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك، إن معايشة أشخاص لا تعرفهم بعض المواقف يجعلك تتحرر قليلًا من أفكارك وضغوط حياتك، وسيساعدك أيضًا على التعايش فيما بعد مع من حولك، قد يكشف لك جوانب خفية في أشخاص مقربين منك قد تجاهلت أنت ظروفهم يومًا ما، هذا نوع من أنواع انعاش النفس وعلاجها، ومعايشة المواقف التمثيلية حتى لو لم تكن سعيدة وذرف الدموع أحيانًا يكون ذو فائدة كبيرة، لأنه سيحرر مشاعرك في لحظات، وسيشعرك بعدها بالراحة، وأنت لن تصل لهذه المرحلة من المعايشة إلا لو نحيت جانبًا اقتناعك بأن هذا الفيلم غير واقعي وأنه يحاول جذبك إليه ، لأنك في هذه الحالة ستتمنع عنه بطريقة غير مباشرة وبالتالي ستفقد المتعة والفائدة النفسية أيضًا.
لكن ثمة أمر بالغ الأهمية لابد أن تضعه في حسابك، لا تفوت الفرصة لتتعلم شيءً مما تقرأ أو تشاهد، اقرأ بعمق قدر المستطاع، افد من أي معلومة ترد ولو في سياق القصة مثلاً، إن كنت تقرأ عن أحداث تدور في بلد آخر فاعرف عادات هذا الشعب من خلال تصرف أفراده في الرواية، إن كنت تشاهد فيلمًا فتمتع بجوانبه الإخراجية: زاوية التصوير هنا، تعبيرات الوجه في تلك اللقطة وهكذا، فتراكم كل هذا يحقق لك الترويح المطلوب وتجديد النشاط.
وأخيرًا لا تنسى أن تحترم حاجة الآخرين للترويح، ولا تنسى أن الترويح الحقيقي لا يخالف الأخلاق والدين، الترويح الحقيقي يبني ولا يهدم، الترويح الحقيقي يجعلك أكثر نشاطًا وفاعلية ولا يسلمك للكسل والإهمال في العمل.
22 مايو 2011
الخميس، 5 مايو 2011
ابلغوه مني السلام
5 مايو 2011 م