الاثنين، 9 سبتمبر 2013

ما بين المصارحة والعتاب



ما بين المصارحة والعتاب


علمتني الحياة أن هناك فارقًا بين العتاب والمصارحة، قد تستاء من أحدهم فتصارحه، وقد تستاء منه فتعاتبه.
المصارحة كشف لما بالنفس ليس إلا، إنه ما يمكن أن نسميه بالمكاشفة، ولا يهم في المصارحة أن يتقبل الطرف الآخر ما تقول أو أن ينفعل به، وليس المطلوب أن يعتذر لك عن اساءته أو أن يحاول تجنب مضايقتك في المستقبل، كل هذا مرهون بمدى علاقته بك وتقديره لك، أما العتاب فيختلف كثيرًا، ولا يكون إلا بين اثنين متحابين، لأنه مكاشفة العتاب تطلب التفهم والمراعاة والقبول لمشاعر الآخر، وتطلب من بعد الإرضاء وتضميد الخواطر وتطييب جروحها والإلتزام الذي مبعثه الحب بعدم تكرار ما حدث ولو لم يكن مقنعًا.

في المصارحة عقل يتحدث، وفي العتاب قلب يئن، لأجل هذا لن أعاتب من لن يبلغه صوت قلبي وإن كان أقرب قريب من ناحية العقل، فما دام لم يحنو بقلبه على قلبي فهو ليس أهلاً للعتاب.
 
صوت القلب أنين وبكاء، فإن سالت دموعه أمام عيني من حجر فدموعه نار تحرق، لا أمطار تغسل وتطهر.

نسمة السيد ممدوح
9 سبتمبر 2013

الخميس، 5 سبتمبر 2013

حامل القلم

حامل القلم


أصحاب القلم أحرار الفكر أم مقيَّدون بدواعي المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية؟ الأدب يساير المجتمع ويُرضيه أم يهذِّبه ويرتقي به؟ اللغة تقف عند مستوى قارئيها أم تأخذ بأيديهم لتُعينَهم على اعتلاء مستويات أفضل؟

تساؤلات عدة، وروافد تصبُّ في نهر رئيس، ألا وهو مسؤولية حامل القلم تجاه مجتمعه.

اختلف الأدباءُ والمفكرون والنقاد في وضع مفهوم للأدب، واختلف مفهوم الأدب في الشرق عنه في الغرب، وتدرج معنى كلمة "أدب" وتباين في كل عصر، وقديمًا لم تطلق العربُ على الشعر اسم الأدب، ولم يكن يعرف القدماء معنًى قريبًا من كلمة أدب غير كلمة مأدُبة، وهي الوليمة، ثم تغيَّر المفهوم فيما بعدُ ليقترب من معنى التهذيب؛ ثم تطور المفهوم في عهد خلفاء بني أمية وبني العباس، وأصبح يُطلَق على المعلِّم لفظ: "المؤدب"، وهكذا حتى وصل اللفظ لنا؛ ليدلَّ على المنتَج الفكري للأمة، والذي يتصف بصفات تميزه عن غيره؛ ولهذا قيل: إن عدَّة الأديب - صانع الأدب - هي موهبة أصيلة، ثقافة رفيعة، تفكير حصيف، حس مرهف، خيال مبدع، لغة سليمة، عبارة رشيقة، وأسلوب طلي، ومع تنوُّع التعريفات المقدمة للأدب نجد تعريفًا شاملاً يقول بأن الأدب هو ثمرة فن القول، أو فن التعبير بالكلمة الساحرة، وثمرة هذا الفن هي آثار شِعرية أو نثرية، تتميز بجمال الشكل، وتنطوي غالبًا على مضمون ذي بُعْدٍ إنساني يضفي عليها قيمة باقية.

وبينما قسم العرب الأدبَ لشعر ونثر، فقد قسمه الغربيون إلى أدب تخيلي؛ كالرواية والقصة والأقصوصة، وأدب لاتخيُّلي؛ كالمقال، ومع تطور التكنولوجيا اليوم، وسهولة النشر وقلة ضوابطه، وعدم خضوع كل ما يُنشَر للنقد، فقد أصبح الأدب منتجًا سهلَ الإنتاج والنشر، وفي المقابل أدت تلك السهولة لنقص ضمان الجودة، فبإمكان الجميع أن ينتج ما شاء، وأن ينشر ويقدم للمجتمع على اتساعه، لا تعوقه سوى بعض الضوابط والقيود التي يسهُل التغلُّب عليها؛ ولهذا نجد مئات المقالات والقصص المنشورة على شبكة الإنترنت، والتي يتفاوت كتَّابها بين مجيدين وغير مجيدين، وما بين مبدعين ومقلّدين، وتعددت المضامين، منها الصالح والطالح، ومنها الراقي المميز، والغث والسمين، ومع تغيُّر الأوضاع أصبح بالإمكان أن نطلق على تلك المنتجات بأنها إنتاج فكري وليس أدبيًّا؛ إذ يفتقد الكثير منها لأبسط خصائص الأدب ومميزاته، ألا وهي اللَّقْطة الجميلة والأسلوب الحسن.

وبدلاً من أن نناقش المسؤولية الاجتماعية للأدب، والتي تناولتها المؤلَّفات، وكتب عنها الكثيرون حتى احتدم بينهم النقاش، إلى أن خلصوا إلى أن الأدب معبِّر عن المجتمع، وأن العلاقة بين الأدب والأديب والمجتمع علاقة وثيقة؛ إذ إن الأديب يعيش في مجتمع يتأثر به، وينفعل ويتفاعل معه، ثم يضع منتجه الأدبي الذي يتلقاه المجتمع، فالصفة الاجتماعية لازمة ولا بد، وقد اختلفوا في وصفهم لتلك العلاقة؛ إذ كيف يصوِّرُ الأدبُ المجتمعَ؟ وهنا ظهرت اتجاهات ومذاهبُ عدة على مدى العصور، بدءًا من العصر اليوناني والروماني، وظهرت مسميات عدة؛ كالمثالية، والطبيعية، والرومانسية، والواقعية، وفيها يطول الحديث ويتشعب، ويتداخل ويتشابك، ولكن يهمنا منها الواقعية؛ إذ إنها تخوض في كيفية تصوير الأدب للمجتمع، حتى اعتقد البعض أن بإمكان الأدب أن يسجِّلَ تاريخ الأمم وتطورها، وعلى كل حال لا شك أن للأدب وظيفة مشابهة لتلك، على أن الذاتيةَ في الأدب أمرٌ لا جدال فيه، كون من يضع المنتج الأدبي هو إنسانًا، مهما احتاط في عمله وتحرَّى الموضوعية، فلن يبلُغَ تمامَها، شأنه في ذلك شأن الصحفي الذي ينقل خبرًا، فهو يتحرى الموضوعية قدر استطاعته، غير أن ذاتيته قد تؤثر في كمِّ المعلومات التي يحصِّلها في جانب دون آخر، أو تركيزه على خبر دون غيره، وهكذا، وذاتية الأديب في خياله وأسلوبه وقراءته للواقع، على كلٍّ نعود لنقول: إن بالإمكان أن نستبدل علاقة الأدب بالمجتمع بقولنا: علاقة حامل القلم بالمجتمع، وحامل القلم قد يكون مفكرًا، أو صحفيًّا، أو أديبًا؛ شاعرًا كان أو ناثرًا.

وتلك العلاقة على درجة كبيرة من الأهمية؛ إذ يؤثِّر حامل القلم في مجتمعه من ناحيتين: المضمون الذي يقدِّمه، والأسلوب الذي يكتب به، ومن حيث المضمون نجد أن مجالَه متَّسع باتساع الفكر الإنساني، ومتجدد ومتطور كتجدده وتطوره، غير أن انتقاء صاحب القلم لِما يكتُب هو أمر بالغ الأهمية، فليس المطلوبُ منه أن يركِّزَ على نماذج فردية فقط لا تتمثل في الواقع إلا بنسبة قليلة جدًّا، وأن يغرق في التشاؤم، فيرى النماذج الأسوأ في المجتمع، كمن يركِّزُ على نقطة سوداء فوق صفحة ناصعة البياض، وأن يغرق في التفاؤل فيرى فضائل المجتمع وحدها دون رذائله، كأنه يحيا في المدينة الفاضلة، وإنما واقعيته أن يوازنَ بين هذا وذاك، وأن يقدِّمَ للمجتمع ما يتبصَّرُ به ويتهذَّب.

وجانب الأسلوب واللغة المستخدمة هو على قدر كبير من الأهمية، ويمكننا أن نميِّز بين أسلوبين في التعبير عن معنى واحد، وهما: التعبير الفظُّ الصريح المنكشف، والتعبير العفيف المتستر بألفاظ الحياء والحشمة، وبعض الكتَّاب يسلكون الأسلوبَ الأول ظنًّا منهم أن هذا أقربُ للواقعية، وأدعى لوصول المعنى للقارئ بسهولة ويُسر، وفي سبيل ذلك يسوِّغون لأنفسهم استخدامَ ألفاظ العوام، بل وأحيانًا استخدامَ ألفاظٍ يتعفَّف عنها الناس، لا لشيء إلا لأنها موجودة بين أوساط وطبقات اجتماعية معينة، ومنهم مَن يميل للكتابة بالعامية على حساب الفصحى، كونها أيسرَ وأقربَ للواقع الذي يعايِشُه القرَّاء، ومنهم مَن لا يتعفَّفُ عن ذكر ألفاظٍ تخدشُ حياءَ القارئ العفيف، وتُرضي ذوي المِزاج الملتوي، وللأسف يُسهِم هؤلاء باتجاهِهم في الإمساك بيد المجتمع وجرِّه للرذيلة ولو اللفظيةَ، ولا يخفى على أحد ما للَّغة من دَورٍ في الحفاظ على المجتمع وأخلاقه ورقيِّه، حتى إنك ترى المتكلم فتحكُم على طبيعته وشخصيته من اثنين بداية، هما: مظهَرُه، ولغتُه، ثم تبحث في أمر فكرِه وثقافته فيما بعدُ.

وإن كان جبران خليل جبران قد ناقَش منذ سنوات طويلة مستقبَلَ العربية في مقال خاص، وميَّز فيه بين فئتين من صانعي الأدب، هم المبتكرون المبدعون، والمقلّدون - فماذا نقول نحن اليوم عن حاملي القلم في زماننا؟ بل ماذا نقول عن مستوى القراء الذين تدنَّى مستواهم اللغوي، لدرجة أن بعضهم لا يستوعب الفصحى، وبعضهم لا يُحسِن أن يفهَمَ أو أن يقرأ بما سُمِّي في بدايات القرن العشرين بلغة الصحافة، وهي صورة مبسطة من الفصحى، وتكاد تكون هي التي نكتب بها اليوم معاملاتنا وخطاباتنا الرسمية، بل إن منهم مَن يرتاح ويركَنُ إلى العامية، ومنهم مَن تحوَّل لكتابة العربية بالأحرف الإنجليزية، وهي ذاتها الدعوة التي لاقت رفضًا شديدًا في بداية القرن العشرين؛ لأن مفكري ذاك العصرِ قد وعَوْا جيدًا أن تنازُلَهم عن الأبجدية العربية هو بدايةُ تنازُلِهم عن لغتهم، ومن ثَمَّ قوميَّتهم، وهويتهم، وثقافتهم.

وقد ازداد الأمرُ سوءًا حين ظهرت ثقافة جديدة بدأت تنتشر وتلقى قَبولاً شديدًا، ألا وهي ثقافة القصاصات، فبعد أن كانت التكنولوجيا سببًا رئيسًا لمزاحمة الصورة للكلمة، باتت الكلمةُ وكأنها تُحتضَر اليومَ، فلم يعُدِ القارئُ يملِكُ مِن القدرة والرغبة والإرادة ما يكفيه ليقرأ مقالاً من نصف صفحة، أو صفحة، أو صفحتين، بل يكفيه بضعُ جُمَل لا بضعة أسطر، وهي ما نرى أن نسميه بالقصاصات، وتلك الجمل المحدودة العدد بإمكانها أن تقدِّمَ ثقافة ومعنًى راقيًا إنْ كتَبها أديبٌ بارع ذو فكر عميق، ولغة قوية، وأسلوب ناصع البيان، أما ما نراه اليوم فهو على غير ذلك.

فحريٌّ بمَن أمسك قلمًا اليوم أن يكتب واضعًا نُصْبَ عينيه المجتمعَ الذي يكتُب له، ذاكرًا العبء الثقيل الذي يحمِله على كاهله، مدركًا أن الكلمةَ قد تعلو بالأمم وقد تهبط بها، قد تلهب حماس أبنائِها، وقد تقتُلُ فيهم إنسانيتهم، يكتب فيمد يدَه للقارئ ليُعِينه على القراءة، يتدرج فيما يُقدِّم من القصير إلى الطويل، من السهل إلى الصعب، من الموجز إلى المفصَّل، حتى يتعلَّمَ قارئه منه، ولو لم تكُنْ أفكارًا، لكانت لغةً ومفرداتٍ وأسلوبَ فكر، لا ذريعة للوقت وعصر السرعة، فتلك أكذوبة، فحتى من بذل الجهد ليبلغ بنا عصر السرعة قد أمضى أشهرًا وسنوات طويلة قارئًا ودارسًا ومفكرًا ومجربًا ومخترعًا.

النشر الأول على شبكة الألوكة

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

الفارس والأميرة .. علاقة الرجل بالمرأة في العصر الحديث

الفارس والأميرة

علاقة الرجل بالمرأة في العصر الحديث


في الرموز والمسمَّيات القديمة والتي توارثتها الأجيالُ معانٍ لا بد وأن ننقِّب عنها، وألا نسلِّم بالرمز من الناحية الجمالية فقط، أو نظنه مبالغة، وإنما هي رموز وضَعها الأقدمون بفكرهم؛ لتكون اسمًا جامعًا لباقةٍ من الصفات، و"فارس الأحلام" من بينِ تلك المسمَّيات، فما أسماه الأقدمون بالفارس إلا لأنهم رأَوا المرأة تميلُ للفرسان، وهم لم يصنِّفوا ويحدِّدوا بدقة صفاتِ الفارس التي جذَبت المرأة، والتي إن وجدت بغيره استمالت قلبَها إليه، وقد نعزو ذلك لبساطة التفكير في العصور السابقة، وربما هم أبقوا على المسمَّى؛ لأن الفارس كان لا يزال حيًّا بينهم، فكان مثالاً يمكن للرجل أن يتعلمَ منه بطريقة مباشرة، ولكن اليوم لم يعُدْ هناك فرسان بالمعنى والصورة التي ورِثْناها من الأقدمين، فلم يعُدْ بيننا فارسُ السيف والدرع والفرس، ولكن بقيت لنا صفاتُ وأخلاقُ الفارس حيَّةً يحتذيها من يشاء.

والفارس قديمًا أو حديثًا ما هو إلا مجموعٌ لصفات حميدة، وإن كتبناها كمعادلة على نسَق المعادلات الكيميائية.

فيمكن أن نقول:


فإن غابت صورةُ الفارس التقليدية بقيت صفاتُه، فمن أين جاءت استحالة إيجاده في كل زمن وعصر؟!
إن كان مِن بين الرجال مَن هم أهلٌ لحمل صفات الفرسان، فمن حق البنات وقتَها أن يحلُمْنَ بالفرسان، وإن كان من حق البنات أن يحظَيْنَ بفرسان، فمن واجبِهن أن يكنَّ أميراتٍ بأخلاقهن، وما كانت روايات الطفولة والحكايات الموروثة إلا تجسيدًا لأخلاق الأميرة والفارس، ولكن أخَذها البعض على غير ذلك، وحملوها على غير محملِها، ويبدو أن متغيرات العصر الفكرية، والدعوات المتزايدة لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، كانت سببًا رئيسًا في ذلك، وقد عمَّقت المشكلة وأوجدتها من قبلُ ولم يكُنْ للمشكلة وجود من قبلها، فما كان يضير المرأة أن تستشعر الضعف وتنشُدَ الأمن والحماية في رجل يصبح هو فارسَها، وما كان الرجلُ يميل للدناءة، فيلهو بالمرأة الضعيفة التي تنشُدُ فيه الرجولة، وما كان ليسخَرَ منها، بل كانت المرأة أنثى بطبيعتها وفطرتها ونقائها، وكان الرجل رجلاً بأخلاقه ورجولتِه التي لا يتنازلُ عنها.

وهذا لا يعني تحجيم المرأة في المجتمع، وإنما يعني أن تكتسب المرأةُ من العلم والمعرفة ما شاءت، على أن تنشأَ في بيتِها على أنها أنثى، ولقد كانت صيانةُ الفتاة في بيت والدها ومن ثم زوجها إعزازًا وإكبارًا لها، لا تقييدًا، وإنما ألبستها الدعوات ما شانها، وأبدلتها في عقول الفتيات؛ لتصبح تقييدًا وإهمالاً وإقصاءً عن المجتمع والمشاركة والإسهام فيه، وفكرُ المرأة حرٌّ ما دام لم يخرُجْ بفطرتها عما خُلِقَتْ له وخُلِق لها.

ويقول مصطفى صادق الرافعي عن ضعف المرأة كلامًا عذبًا، إن وَعَتْه النساء ما اسْتَأْنَ مِن صفات الضعف الفطرية فيهن، وإن وعاها الرجل ما استشعر رجولتَه بالاستعلاء على المرأة وتتبّع سُبُلَ ضعفها ليعلوَها، فيقول في مقال بعنوان "تربية لؤلؤية" في كتاب "وحي القلم ج1": "لم يخلُقِ اللهُ المرأةَ قوة عقل فتكون قوة إيجاب، ولكنه أبدعها قوة عاطفة لتكون قوة سلب؛ فهي بخصائصها، والرجلُ بخصائصه، والسلب بطبيعتِه متحجِّب صابر هادئ منتظر، ولكنه بذلك قانونٌ طبيعي تتمُّ به الطبيعة.

وينبغي أن يكون العلمُ قوةً لصفات المرأة لا ضعفًا، وزيادة لا نقصًا، فما يحتاج العالم إذا خرج صوتها في مشاكله أن يكون كصوت الرجل صيحة في معركة، بل تحتاج هذه المشاكلُ صوتًا رقيقًا مؤثرًا محبوبًا مجمعًا على طاعته، كصوت الأم في بيتها"، وما أراد الرافعي إلا أن يميز بين المرأة والرجل؛ فالقوةُ في أحدِهما تتمثل بصورة، وفي الآخَرِ بصورة أخرى، ولا تنتقص من قيمتِها في هذا أو ذاك، وهذا هو الاختلافُ المطلوب، ولن تكونَ أبدًا مساواة مطلَقة بين الرجل والمرأة؛ إذ هما في الأصل مختلفانِ، كمن يساوي بين الموز والتفاح، وما بينهما شَبَه إلا أنهما من الفاكهة؛ فحقوق المرأة تختلف عن حقوق الرجل، ولا يشتركانِ إلا في حقوق إنسانية عامة، أما المساواةُ بالمفهوم الذي انتشرت به اليوم فلم تجلِبْ للمرأة غير الشقاء، ولم تَجْنِ من ورائه غير فِقدان الرجل لرجولته؛ لأنها فقدت أنوثتَها، ونحن نرى أمثلة كثيرة كانت بمثابة الفاتورة التي أصبحت المرأة مطالبة بسدادها نظيرَ تلك المساواة المزعومة، ففي السابق كان يُقدِم الرجل على خدمة المرأة وإيثارها ولو لم تكن زوجةً له، فكانت تُقَدَّم عليه في الحقوق المشتركة، فإن وُجِدَ رجل وامرأة ومقعد واحد كان لها وليس له، وإن كان الزحام قدَّمها عليه، ونعرف في قصة موسى - عليه السلام - شهامتَه في السقاية للفتاتين، فكانت الشهامةُ صفةً يتوارثها الأبناء عن الآباء منذ القِدَم إلى أن علتِ الصَّيحات التي تطالب بحق المرأة، ومساواتها بالرجل، فماتت الشهامة أو الكثير منها، واليوم إن وُجِدَ رجُل وامرأة ومقعد واحد، كان مِن نصيب مَن سبق إليه، وإن كان الرجلَ، ولم يعُدْ يضير الرجل أن يسبق المرأة لمصلحة فينال ما يريد في دقائق، وتنتظر هي الساعات الطوال، ولم يعُدِ الشاب كفئًا لحمل الأعباء والمسؤولية؛ إذ المجتمع أوهمه أن عليه النصف فقط.

إن العلة لا تعالَجُ بالسلب، فلا نزيد المشكلة بأن ننزع من المرأة ما بقي من طبيعتها وفطرتها، بل نعالجها معالجة إيجاب، نعدِّل من أفكار أبنائنا وبناتنا، ونزرَعُ فيهم أخلاقَ الفارس والأميرة بلا مبالغة، والمبالغة أُسُّ البلاء، ولا بأس أن نضيف لموروثنا من حكايات الماضي ما يُناسِبُ عصرنا، ويحل مشكلاتنا الجديدة، على ألا نفقد أجمَلَ ما في الحكاية من مَيْلِ الرجل الفطري للمرأة، ومَيْلِها إليه، وصورة الرجل الفارس بأخلاقه، والمرأة الأميرة بأخلاقها، وليتحمل الرجل العبء، لا أقول: كله، بل معظمه؛ لأنه رجل، هكذا أمده الله سبحانه بأسبابِ القوة، ولم يجعَلِ اللهُ الرجالَ قوّامين على النِّساء إلا ليحملوا العبءَ الأكبر في الحياة، ولولا ما وهَبهم الله من قوة تحمُّل وتجلُّد لَما كان لهم شرَفُ القوامة، والقوامة ليست إذلالاً للمرأة، بل إعزازًا لها.

وأذكر سيدة قالت لي ذات يوم بأنها سعيدة بحياتها في مجتمع متحفِّظ بتقاليده، يُبقي المرأةَ كالملكة في بيتها، ورجال البيت جميعًا قائمون على مصالحها، وتلك هي الحرية؛ فحريةُ المرأة وحقوقها في الرعاية والإعزاز، لا في الخروج والكفاح كالرجال، وأُنهي مقالي وحديثي إليكم بذاك النصِّ المميَّز للرافعي إذ يقول: "لا حريةَ للمرأة في أمَّةٍ من الأمم، إلا إذا شعَر كلُّ رجُلٍ في هذه الأمة بكرامة كلِّ امرأة فيها؛ بحيث لو أهينت واحدةٌ، ثار الكلُّ فاستقادوا لها، كأن كراماتِ الرجالِ أجمعين قد أُهينَتْ في هذه الواحدة؛ يومَئذ تصبحُ المرأةُ حُرَّة، لا بحريتها هي، ولكن بأنها محروسةٌ بملايين من الرجالِ".

أبالحراسة والرعاية تُقيَّد حرية العقل والفكر والعاطفة؟! أم هي صيانة وأمان وإعزاز؟!

النشر الأول على شبكة الألوكة

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

قصاصات


 لا يعرف الطفل في صغره كما يعرف أمه، فلا يحيا بأحضان غيرها مدة حمله، ولا يأمن لذراعي تحملانه كما يامن لذراعيها، ويأنس بها وبقربها، ويحفظ عن ظهر القلب ودون أن تكون له إرادة نبرة صوتها ورائحتها، وهي له عالمه الذي يحتد بحدودها، ولا يلتمس الأمان في غير حضورها، ولا يقارن بينها وبين أنثى غيرها إذ لا يدرك في الحياة غيرها، وكل أنثى عداها امرأة وهي وحدها أم، والأم في فكره البسيط امرأة مميزة لا لسبب يعيه ويدركه غير أنها أمه، ومن الفطرة ورحمة الله بالطفل أنه لا يحب مذاق غير مذاق طعامها الذي تعده وإن كانت لا تحسن من الطهي شيئًا، فمادام من صنع أمه فهو أجمل الأطعمة وأكثرها لذة، ويدها هي أملس ما مس خديه وإن كانت طبيعتها شوهاء، وابتسامتها لا يضاهيها في النور والجمال وجه غير وجهها وإن كانت من القبح ما كانت، تلك نعمة إلهية أنعمها الله على الطفل ورحمة سماوية شمل بها الأم، فاقتضت الفطرة السليمة ألا يعشق الطفل من بني البشر كما يعشق أمه، وألا يرحم الطفل منهم بأوفر من رحمة أمه عليه.



كم أنا مشتاق لحروف غير حروفي، وللغة هي للقلب أدنى وأقرب، كم أنا مشتاق لرسالة سحرية لا أخطها بقلمي، ولا يحكمها فكري، ولا يتجلى فيها قلبي بإرادة عقلي، رسالة سحرية أوحي بها إليك فتبلغك بلا ورق وحبر، بلا مرسال ومظروف، بلا ختم وعنوان، وبلا طابع بريد، رسالة حسبها طابع حبي وحنيني واشتياقي، وعنوانها إرادتك ومناشدتك إياها في الأثير، رسالة ليس فيها شيء من لغة أو رسم، رسالة فارغة فراغ عرفهم، وفائضة فيض قلوبنا، أهٍ، قد أرسلت إليك برسالتي دون أن أدري فهل أنت قد وفقت لاستلامها؟!



نحيا بزمن يبكي عليه الكتاب أسفًا ، ويئن فيه الفكر من وحشة الوحدة، ويوشك مداد القلم أن يجف من هجران العقول والعواطف له, أهٍ كم آسى على زمن فات بمن فيه وتركنا لسنواتنا الجافة بلا أنس, كأن العام قبلنا كان قصولاً أربعة وأصبح لنا اليوم فصلاً واحدًا: صيفًا محرقًا أو شتاء قارسًا, إن حلمت فلا أحلم بغير ربيع الفكر في عقولنا وربيع العاطفة في قلوبنا وربيع الانس في أرواحنا.




أنا غريب عن هذا العالم بفكري المهاجر الدائم الترحال الذي يبحث له عن وليف، أنا غريب عن هذا العالم بفؤادي الباكي من وحشة قلوب الآخرين، أنا غريب عن هذا العالم بروحي التي لا تمل السفر بين الأمكنة والسنين تنشد الشبيه، أنا غريب عن هذا العالم بكل ما في من المعاني وما فيه من زخرف المادة الجوفاء. 




وإن الطرق كلها تؤدي إليك، فأنت شمس طالعة على نفسي مالها من مغيب، وعلى قدر الشوق المعتمل إليك فإن لقياك هو أشد مخاوفي، فتريث وغض البصر، وارحم أن تقذف عينيك لتلقى عيني، فتقتل وهمًا لطالما أنشأته، تريث فإني من لقياك خائفة، فإن تواجهت الأعين بلا حجب أو ستر فأنا لاشك مصرحة: إني بالحب متيمة، وببحر الشوق إليك غارقة.
 

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

صحتك النفسية ومقاومة الضغوط


صحتك النفسية ومقاومة الضغوط

كيف تعزز مناعتك النفسية؟

صحتك النفسية ومقاومة الضغوط .. كيف تعزز مناعتك النفسية؟خلق الله الإنسان جسدًا ونفْسًا ورُوحًا، ووهب الله الإنسان القدرةَ على اكتشاف جسده ونفسه، ودراسة ما يُلِم بهما من أمراض وتوعكات وأزمات، ومنَحه الدواء، فما خلق الله من داء إلا وخلق له دواء، ومن ذلك أمراض الجسد وأمراض النفس، أما الرُّوح، فقد اختص الخالق - عز وجل - معرفتها لنفسه؛ فقال في كتابه العزيز: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، ويقتضي الإيمان ترْك الروح وأمرِها بمجمله وتسليمه لخالقه، هو أعلم بما يختص بها ويَصِلها من قريب أو بعيد، وبقي للإنسان أن يدرس ويتبصَّر في أحوال جسده ونفسه، وتَكثُر المقالات وتتنوَّع في هذا الموضوع، ويميل الأغلبية لتطبيق ما يَرِد حول الصحة البدنية والعناية بها، وتَمُر أعينهم على ما يَخُص الصحة النفسية، وقد لا يتعدى الأمر جولة للعين فقط، وعلى كل حال تبدو ثقافتنا قاصرة جدًّا فيما يتعلَّق بالصحة النفسية فَهمًا وإدراكًا وعناية.

ولمنظمة الصحة العالمية World Health Organization WHO تعريف ممتاز فيما يتعلَّق بالصحة بشكل عام، ويَنُص تعريف المنظمة على أن: الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز، وتعتبر المنظمة الصحةَ النفسية جزءًا لا يتجزَّأ من الصحة العامة، فإن لم تتمتَّع بالصحة النفسية، فحالتك الصحية العامة ليست على ما يرام في هذه الحالة، وهذا يعني أن الصحة العامة تتطلَّب: جسدًا سليمًا، وعقلاً سليمًا، ووِجدانًا سليمًا، فلا يكفي إذًا المَثل القديم: "العقل السليم في الجسم السليم"؛ وإنما نحتاج لتعديل أفكارنا لنُضيف إليه ما يجعل الوِجدان مكوِّنًا لا يَقِل أهمية عن العقل، وكلاهما بحاجة لجسد سليم، وأنت تُقدِّر أهمية الوجدان السليم عندما تنظر لشخص ذي ذكاء مرتفع يُعاني من حالة إحباط أو مشكلة نفسيَّة، أو يقع فريسة للانهيار العصبي، فقد لا يُسعِفه ذكاؤه أو يُجنِّبه مخاطر الاضطرابات النفسية، فلا يكفي عقل سليم وجسم سليم كي تحيا حياة صحية.

والصحة النفسية:
هي حالة شبه مستقرَّة، يكون فيها الفرد متوافِقًا نفسيًّا واجتماعيًّا مع نفسه ومع بيئته، ويشعر فيها بالسعادة مع نفسه ومع الآخرين، ويكون قادرًا على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن، ويكون قادرًا على مواجهة مطالب الحياة، وهناك علاقة طرديَّة بين الصحة النفسية وتقدير الذات؛ فالصحة النفسية تعني أن الشخص يتمتَّع بقدر كافٍ من تقدير الذات واحترامها، وهذا التقدير بدوره يزيد من صحة الفرد؛ مما ينعكس على تقدير الذات وهكذا، فتبدو السعادة هنا وكأنها عملية دائمة ومستمرة، غير أن تجارِب الحياة تُظهِر الأمر بصورة مختلفة، وكثيرًا ما يَفقد الواحد منا شعوره بالسعادة، وهذا يعني حدوث اعتلال في صحته النفسية.

وكما يمكن وصف الشخص الذي يتمتَّع بجسم سليم بصفات ظاهرية وداخلية، والكشف عن ذلك بالفحوص والتحاليل الطبية، فالأمر ذاته يَسرِي على الصحة النفسية، ومن هنا يمكن أن نَصِف الشخص الصحيح نفسيًّا بأنه في الغالب يتمتع بالشعور بالسعادة الداخلية والاكتفاء النفسي، وتراه يحمل هدفًا يسعى لتحقيقه، وحياته في نظره ذات قيمة، وهو مُقدِّر لإمكانياته وطاقاته، ولا يتوقَّع من ذاته تحقيق ما هو فوق طاقتها، وهو ذو شخصية قادرة على التطور والنمو، فلا يثبت على حال لشهور طويلة، بل هو دائم التجدد والتطور باكتساب المعارف والخبرات وخوض التجارِب، وفوق ما سبق هو ذو عالَم داخلي هادئ بلا صراعات، ولديه القدرة على التعبير عن مشاعره وضبْط مشاعره السلبية أيضًا كالقلق والإحباط، أما عن مظاهره الخارجية، فتتمثَّل في القدرة على العمل بكفاءة وإنتاجية، وتكوين علاقات دافئة مع الآخرين، يَملِك قدرًا كبيرًا من السيطرة على البيئة المحيطة به وباستطاعته اتخاذ قراراته بمفرده، مُقدِّر جيد لمشاعر الآخرين واحتياجاتهم، بالطبع تبدو الصفات السابقة مثالية لدرجة كبيرة، ولكن درجة الصحة النفسية تعتمد على ما تستطيع تحصيله منها، أو بقول آخر: هي مجموع نِسَب ما تُحرِزه من نجاح في كل صفة من الصفات السابقة.

والصحة النفسية كالبدنية تتأثَّر بعوامل عديدة اجتماعية ونفسية وبيلوجية، وتختلف باختلاف المرحلة العمرية والظروف، وقد تتحسَّن صحة الفرد النفسية في فترة معينة، ثم تتوعَّك قليلاً، ثم تتعافى وهكذا، وما يؤدي إلى تعافيها من جديد هو مدى وعي الشخص وثقافته، فأنت بالطبع تعرف أعراض التعب والاعتلال البدني؛ كالإجهاد وارتفاع الحرارة أو ارتفاع ضغط الدم أو انخفاضه وهكذا، ولكن هل تعرف حقًّا أعراض الاعتلال النفسي؟

إن عدم قدرتك على الشعور بالسعادة والتوافق مع ذاتك أو مع الآخرين - يُعَد عَرَضًا من أعراض الاعتلال النفسي، ولا يعني ذلك المرض النفسي الذي يستدعي التدخل والمساعدة الطبية لعلاجه، وإن كان العلاج النفسي حقًّا لا غبار عليه، بل هو لدى العقول والثقافات المتفتحة ليس إلا تدليلاً للنفس ومزيدًا من العناية بها، على كلٍّ بجانب عدم قدرتك على الشعور بالسعادة أو التوافق هناك عدم القدرة على التركيز، النسيان وصعوبة الحفظ والتذكر - إذا لم تكن تعاني من ضعف الذاكرة بشكل عام - الشعور بالتعب السريع، الملل، فِقدان الرغبة بالعمل، الميل للانعزال، الحساسيَّة المُفرِطة، انخفاض كفاءتك أو إنتاجيتك في العمل، عدم القدرة على تكوين علاقات اجتماعية دافئة مع الآخرين، كل تلك مظاهرُ للاعتلال النفسي، وهو اعتلال طبيعي ولا يدعو للقلق، بل يتطلَّب قدرًا كافيًا من الوعي والسعي للعلاج والتعافي السريع؛ حتى لا تتفاقم الأمور مع مرور الزمن لتَجِد نفسك ذات يوم مصابًا بالاكتئاب مثلاً.

من أشهر الاضطرابات النفسية التي تعتري صحةَ الإنسان النفسية من حين لآخر: اضطراباتُ الضغط النفسي، والضغط النفسي هو حالة بدنية وشعورية تنتاب البشر جميعًا وفي جميع الأعمار، يختبرها الشخص عندما يشعر بوجود خطر يُهدِّد أمنه أو استقراره أو وجوده المادي أو الاجتماعي، أو كون هذا الخطر يُهدِّد مَن تَربِطه به علاقات أسرية أو عاطفية، فعندما تَفقِد عملك تعاني من ضغط نفسي؛ نتيجة تهديد استقرارك وأمنك المادي، وعندما يُصاب طفلك بالمرض تتعرَّض للضغط؛ نتيجة شعورك بخطر يُهدِّد طفلك الذي تربِطك به علاقة عاطفية وطيدة، وعندما يتهيأ الطالب للامتحان يتعرَّض لضغط؛ نتيجة وعيه بكون الامتحان عاملاً يُهدِّد مستقبله الدراسي وهكذا، وعلى هذا النحو تبدو الضغوط كظواهر طبيعية جدًّا من الضروري - بل والحتمي - أن يتعرَّض لها الواحد منا؛ ولهذا يتحدَّث عنها هانس سيلي بقوله: الضغط النفسي هو رد فعل الإنسان على التغيرات التي هي جزء من حياته اليومية، ويبدو هذا قولاً واقعيًّا جدًّا، إلا أن رد الفعل ذاك تُجاه متغيرات الحياة يختلف من شخص لآخر، تَبعًا لمستوى صحته النفسية والعقلية وخبراته وتجارِبه السابقة؛ ولأجل هذا يَبرُز عامل السن بوضوح، حيث تَجد ردَّ فعل الشاب يختلف كثيرًا عن الرجل الناضج مثلاً، كما يبدو أن لعامل الجنس دورًا أيضًا، فرد فعل السيدات يختلف عن الرجال وإن تشابهت المواقف.

وبما أن مستوى الصحة النفسية له دوره في تشكيل رد الفعل تُجاه متغيرات الحياة، وبالتالي في مواجهة الضغوط وشدتها، فهذا يعني أن الأشخاص الأصحاء نفسيًّا سيكونون أقدر من غيرهم على مواجهة الضغوط والتعافي منها سريعًا، فكلما كنت متوافقًا مع نفسك ومقدرًا لها سيكون بإمكانك تَجاوُز تلك الضغوط بأقل خسائر، أما الأشخاص المتوعكون نفسيًّا، فسيكون وقْع الضغوط عليهم شديدًا، وربما أدى ذلك إلى تدهور حالتهم النفسية، وهكذا هم من سيئ لأسوأ، كمن يعاني من الأنيميا ثم يصاب بنوبة زكام حادة ثم بنزلة معوية وهكذا، ولو أن بِنيته الجسدية أفضل لتغلَّب على نوبة الزكام سريعًا قبل أن تُهاجِمه النزلة المعوية مثلاً ولخفت وطأة الأخيرة عليه.

وبما أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وهي مُتغيِّر من حين إلى حين، وبما أن درجة تحكُّم الإنسان وسيطرته على الحياة من حوله محدودة، فإن تَعرُّضه للضغوط يبدو حتميًّا، ومع ذلك فبعض الضغوط ذات أثر إيجابي في تقوية الفرد وإكسابه الخبرة، كما أنها تعمل عمل المحفِّز، ومن ذلك الضغط الناشئ لدى الطالب من مواجهة الامتحان مثلاً، مما يدفع الطالب للمزيد من الاستذكار وبذل الجهد، ومع ذلك يبدو أن الطالب المتفوق سيحظى بتأثير المحفِّز، خاصة إذا كان يتمتَّع بدرجة عالية من الثقة بالنفس والسيطرة على ما يتوجَّب عليه دراسته طوال العام، على عكس الطالب الخائف الذي قد ينهار سريعًا تحت وطأة ضغط الامتحان، فتتأثر ذاكرته وقدرته على التركيز؛ مما يعني الفشل المؤكد.

ولكي تُجنِّب نفسك ويلات الضغوط؛ عليك إذًا أن تعرف كيف تحمي نفسك وترفع من مستوى صحتك النفسية، أو بعبارة أخرى: عليك أن تقوِّي من مناعتك النفسية، ويستلزم ذلك العديد من الإجراءات.

أولها: أن تُعزِّز ثقتك بذاتك، ويتطلَّب ذلك أن تكون واقعيًّا في التعرف على ذاتك، تُحدِّد إمكانياتك وطاقاتك بدقة ودون مبالغة، تتحرَّر من الصور الذهنية التي يرسُمها لك الآخرون، وتتبنَّى صورة خاصة لذاتك كما تراها أنت، تَرسُم لك هدفًا وتسعى لتحقيقه، على أن يكون هدفك متماشيًا مع إمكانياتك ولا يفوقها؛ حتى لا تصاب بالإحباط، تتبنى هدفًا طويلاً وتُقسِّمه لأهداف قصيرة، وكافئ ذاتك مع كل هدف تُنجِزه، والمكافأة قد تكون نزهة أو وجبة محبَّبة أو الالتقاء بصديق أو مشاهدة برنامج محبَّب أو اقتناء كتاب جديد أو حيوان أليف أو تحقيق أمنيَّة لك، وكل إنجاز سوف ينعكس على مدى تقديرك لذاتك وسيدفعك خطوة للأمام.

ثانيًا: يتوجَّب عليك أن تكون يَقِظًا لكل ما يحيط بك، احصر الأشخاص والمواقف والأحداث التي تُحفِّزك وتشعرك بالضغط وتَجنَّبها قدرَ الإمكان، ولا يعني ذلك أن تكون جبانًا وغير قادر على المواجهة، وإنما يعني تفادي ما يُمكن تفاديه دون خسائر.

ثالثًا: تعلَّم كيف تُنظِّم وقتك، لا تُنجِز أعمالاً متعددة في وقت واحد، ابدأ بالأولويات، اترك هامشًا إضافيًّا من الوقت تحسُّبًا للظروف الطارئة.

رابعًا: تَجنَّب الإرهاق، ولا تعمل لفترات طويلة، خذ قسطًا من الراحة عندما تعمل لفترة طويلة وتذكَّر أن المهم هو جودة ما تُنتِجه لا كَمُّ ما تُنتِجه.

خامسًا: تعلَّم كيف تكون مرنًا ككرة المطاط تضغطك الحياة ولا تشوِّه مظهرك وتُفقِدك طبيعتك، فمهما بذلت من جهد فسيطرتك محدودة وهناك أشخاص ومواقف وظروف تَفرِض نفسها عليك فرضًا، ولا تُجدي الحرب المستمرة دائمًا، في بعض الأحيان تحتاج للمرونة والصبر.

إن كل ما سبق يُعَد وقاية نفسيَّة، لكنها وحدها لا تغني، فهناك جانب بيولوجي عليك بمراعاته، حيث يحتاج جسدك للراحة والنوم، وبالطبع تختلف حاجة الجسد للنوم حسب العمر والنشاط المبذول، إلا أن الشخص العادي يحتاج إلى ساعات نوم تتراوح ما بين ست إلى ثماني ساعات يوميًّا، والأفضل أن تكون ليلية وفي مواعيد منتظِمة، وللنوم والراحة تأثير قوي على صحة الفرد وقدرته على مواجهة الضغوط النفسية، وهناك أيضًا ممارسة الرياضة من ثلاث إلى أربع مرات أسبوعيًّا، ومن الأنشطة الرياضية المناسبة المشي، خاصة في الأماكن المفتوحة، وكذلك السباحة وركوب الدراجة، وأخيرًا الغذاء الجيد.

ويبدو أن الطبيعة بما فيها أشبه ما تكون بصيدلية متنوِّعة، وتَكثُر المقالات المنشورة في الصحف والمجلات والمدونات والمواقع الإلكترونية، والتي تتحدَّث عن فوائد الخضراوات والفواكه، على كل حال لا تخدعك العناوين الجذابة، والتي تُخصِّص فواكه دون غيرها أو أطعمة دون غيرها، واتبع القاعدة العامة: تناوَل من كلِّ الأصناف باعتدال وتنوُّع، تحصل على الفائدة مكتملة، كما يتوجَّب عليك أن تُعدِّل من عاداتك الغذائية، وأن تتناول وجبات متوازنة وبكميات معتدلة، تجنَّب المشروبات والأطعمة التي تجعلك فريسة للضغوط، المشروبات المحتوية على الكافيين والكحول، والحلويات، وبالطبع التدخين.

وبما أن الإنسان لا يعيش منعزلاً عن غيره، فعليك أن تحاول إسعاد المحيطين بكِ، وأن تُساعدهم في الحصول على صحة نفسيَّة جيدًة، مما سينعكس حتمًا على شعورك الداخلي، فعندما تحاط بأشخاص أصحاء وغير مُحبَطين، فلن ترى انعكاس مشاعرهم السلبية على مرآتك، ومن هنا تظهر مسؤولية الأب والأم داخل كل أسرة في مساعدة أبنائهم على التمتع بصحة نفسية جيدة، بل وتعليمهم أيضًا كيفية وقاية أنفسهم من الاعتلال والضعف النفسي، ويبدو أن محاولة بعض الآباء فرض صور ذهنيَّة على أبنائهم لما يجب أن يَشبُّوا عليه، يُعَد خطرًا يُهدِّد صحة الأبناء النفسية؛ فقد لا تتوافق تلك الصور مع إمكانيات الابن وطاقاته، قد تفوقها فتُشعره بالعجز، وقد تَقِل عنها فتُشعِره بالعظمة والتعالي.

على كلٍّ لا يكفي أن تتوقَّف عند مبدأ الوقاية خير من العلاج، بل عليك أن تتبصَّر جيدًا بطبيعة الأخطار التي قد تُواجِهك وكيفية التصدي لها، وبما أننا نتحدث عن الضغوط النفسية كأهم خطر يُهدِّد الإنسان، فمن الضروري أن تعي جيدًا أن الضغوط قد تكون داخلية أو خارجية، فقد تَنبع الضغوط من داخل الفرد ذاته، ومن ذلك الضغوط الذاتية؛ كشدة الطموح بما يتجاوز طاقة الفرد، أو الخيالية في رسْم الأهداف، نقْص المرونة في التخطيط؛ مما يؤدي إلى سباق دائم لإنجاز الأعمال دون وقت كافٍ لالتقاط الأنفاس، وقد تكون الضغوط ناتجة عن صراعات داخلية بين رغبات الفرد واحتياجاته وبين قيمه ومُثُله العليا التي تحول دون تلبية تلك الرغبات، ومن هنا قد نجد أن الأشخاص المثاليين والمنضبطين أخلاقيًّا لدرجة عالية يُعانون أكثر من غيرهم في هذا الجانب، ولا يعدو جهاد النفس أن يكون درجة عليا من درجات هذا الصراع، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((المجاهد مَن جاهد نفسَه في طاعة الله، والمهاجر مَن هجر الخطايا والذنوب)).

أما الضغوط الخارجية، فتنبع من الأسرة أو المدرسة أو العمل أو المجتمع ككل، ومنها الضغط الناتج عن فِقدان العمل أو البحث عن عملٍ أفضل، الضغط الناتج عن عدم التوافق في بعض الزيجات، الضغط الناتج عن عدم التوافق مع زملاء الصف في المدرسة أو العمل بشكل عام، الضغط الناتج عن طبيعة المجتمع وما يَفرِضه من التزامات اجتماعية وهكذا.

إن تَعرُّض الفرد للضغوط بشكل مستمر، وعدم السعي لتخفيفها والتحرر منها - يُعرِّضه لأخطار وخيمة، فبالإضافة لتأثيرها السلبي على الصحة النفسية وبخاصة الضعيفة، فإن لها آثارًا بيلوجية سيئة، حيث يُنتج الجسم المُعرَّض للضغوط كمًّا زائدًا من الطاقة فوق حاجته؛ مما يدفع الشخص لمحاولة التخلص من الطاقة الزائدة؛ سعيًا للوصول إلى التوازن المطلوب، وقد يظهر حرق الطاقة الزائد بمظاهر عدة؛ كالعصبية، الصراخ، الحركة السريعة، وقد يوظَّف بشكل جيد في ممارسة الرياضة؛ للتخلص من الطاقة الزائدة من ناحية، ولتعزيز إفراز الهرمونات المساعدة على تخفيف الشعور بالضغط النفسي من ناحية أخرى.

وفي حال تَجاهُل ما سبق، من المحتمل أن يتعرَّض الشخص الواقع تحت ضغوط نفسية كثيرة للعديد من الأمراض العضوية؛ نتيجة لإفراز العديد من الهرمونات مِثل: هرمون الكورتزول، والذي يؤثِّر على جهاز المناعة، ومن الأمراض الشائعة في هذا الجانب: تصلُّب الشرايين، ارتفاع ضغط الدم، قرحة المعدة، السرطان، السكري، أمراض القلب بشكل عام، الصداع، الأمراض الجلدية، وأمراض الحساسية كالربو، وغيرها كثير.

وفي حال تَعرُّضك لضغوط نفسيَّة فعليك أن تسعى جاهدًا للتخلص منها، ويتطلَّب ذلك العمل إرادة حقيقية كي تتعافى مما ألَمَّ بك، وينقسم العلاج إلى: علاج نفسي، وآخر بيولوجي؛ أما عن العلاج النفسي، فمنه محاولة التفكير والتأمل لمعرفة سبب الضغط ومحاولة التخلص منه، السعي نحو مساعدة الآخرين مما سيُشعِرك بالسعادة، وسيُعزِّز شعورك بذاتك، وبأن لك قيمة في الحياة، محاولة التحدث عن مشكلتك، وهنا يبدو الاختلاف الواضح بين الرجال والنساء، فكما يقول د. جون جراي في كتابه الشهير "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة": "عندما يتضايق الفرد من أهل المريخ لا يتكلَّم أبدًا عما يُضايقه، فهو لن يُثقِل كاهل فرد آخر من أهل المريخ بمشكلته إلا إذا كانت مساعدة صديقه ضرورية لحل المشكلة، وبدلاً من ذلك يصبح هادئًا جدًّا، ويدخل إلى كهفه الخاص ليُفكِّر في مشكلته، يُقلِّبها ليجد حلاًّ، وعندما يجد حلاًّ، يشعر بتحسن ويخرج من كهفه، وإذا لم يكن قادرًا على الوصول إلى حل، فإنه يقوم بشيء لينسى مشكلاته، مثل قراءة الأخبار أو ممارسة لعبة، وبتحرير عقله من مشكلات يومه، يستطيع تدريجيًّا أن يسترخي، وإذا كان الضغط عظيمًا حقًّا، فيَلزمه أن يَنخرِط في شيء أكثر تحدِّيًا، مِثل التسابق بسيارته، أو التنافس في مسابقة أو تَسلُّق جبل، عندما يكون الرجل تحت ضغط نفسي سينسحب على كهف عقله ويُركِّز على حل المشكلة، ويختار في الغالب أكثر المشكلات إلحاحًا أو أكثرها صعوبة، ويصبح شديد التركيز على حل هذه المشكلة الوحيدة، إلى درجة أنه يَفقِد الوعي بكل شيء آخر بصورة مؤقتة، أما المشكلات الأخرى والمسؤوليات، فتتقهقهر للخلف".

ويقول عن المرأة:
"عندما تتعرَّض المرأة للضغط، فإنها تشعر غريزيًّا برغبة في التحدث عن مشاعرها وكل المشكلات التي يحتمل أن تكون مرتبطة بمشاعرها، وعندما تبدأ في الحديث فإنها لا تراعي أولوية أي مشكلة حسب أهميتها، فعندما تكون متضايقة، فإنها تكون متضايقة من كل شيء، كبيرًا أو صغيرًا، إنها غير مهتمة مباشرة بالعثور على حلول لمشكلاتها، بل تبحث عن الراحة بالتعبير عن نفسها وفَهْم الآخرين لها، وبالحديث عشوائيًّا عن مشكلاتها تصبح أكثر انزعاجًا، لكي تنسى مشاعرها المؤلمة الخاصة، ربما تصبح المرأة متورِّطة عاطفيًّا في مشاكل الغير".

من هنا يبدو أن الحديث حول المشكلة أو الضغط يختلف كثيرًا بين الرجل والمرأة، ففي حين لا يتحدَّث هو للتخفيف عن نفسه، وإنما يتحدث ليطلب النصح أو المساعدة - فإن المرأة تتحدث للتنفيس عن مشاعرها وتفريغ ضغوطها، وفَهْم طبيعة كلٍّ منهما له أثره في محاولة كل فرد مساعدة غيره في تفريغ ضغوطه حتى داخل الأسرة الواحدة، لا بين الزوج والزوجة، وإنما بين الآباء والأبناء؛ إذ لا توجد مشكلة عندما يتعامل الأب مع ابنه أو الأم مع ابنتها، وإنما تظهر المشكلة عندما يتعامل فردان من جنسين مختلفين.

وعلى الجانب الآخر للعلاج نجد العلاج البدني، ويتمثَّل في ممارسة الرياضة قدرَ الإمكان، وتعديل النظام الغذائي، والحصول على قدرٍ كافٍ من النوم، والحذر كل الحذر من محاولة تفريغ الضغوط في تناول القهوة بكثرة أو تدخين السجائر بلا حساب، فعلى حين تمنح هذه أو تلك صاحِبَها بعضَ الراحة لفترة مؤقَّتة، فإنها تُصيبه بما هو أسوأ مع مرور الوقت.

وعلى هذا يصبح الفرد منا بحاجة دائمة للعناية بصحته النفسيَّة وتقوية مناعته النفسية، وبما أن كل ما سبق ذِكره هو كلام علمي يسري على الأفراد جميعًا مع مراعاة الفروق الفردية بينهم، إلا أن لأبناء الإسلام حظًّا وافرًا من العناية والرحمة الإلهية، ففي كتاب الله وسنة رسوله الكريم الكثير من التوجيهات والتوصيات المُعينة على تعزيز المناعة النفسية للإنسان، والقرآن الذي هو كلام الله - عز وجل - فيه من الآيات ما يشفي الصدور والنفوس، فيقول تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82]، ولقد رسم الله للمؤمنين الهدف الأسمى في هذه الحياة، وهو هدف طويل يطول بطول حياة الواحد منهم، وهو العمل للآخرة، ورسم لهم هدفهم وبيَّنه؛ ليكون حافزًا لهم على العمل والاجتهاد، وليُشعِرهم أن لذواتهم قيمة في هذه الحياة، فهم لم يُخلَقوا عبثًا، ومن لم يُخلق عبثًا فله قَدره وقيمته ومكانته، ومن لم يُقدِّر نفسه حقَّ قدرها، فليس له أن يجزى بالحسنى، وإنما له العقاب في الآخرة؛ ولأن المرء يحتاج لأهداف قصيرة تُشعِره بالإنجاز وتكون دافعًا له؛ جُعِلت العبادات متكررة واحدة تتلو الأخرى لا انقطاع فيها، وجعل العمل عبادة وطلب العلم عبادة؛ ليظل المؤمن يعمل طوال حياته يُنجِز هدفًا تِلو الآخر، فيؤدي صلاة، ويقرأ كتابًا، ويُصلِح شيئًا، ويُسعد شخصًا، ثم يؤدي صلاة ثم يريح بدنه بالنوم، ثم يصحو فيسبح ربه، فينطلق لعمله فيؤدي صلاة، فيجالس أبناءه، فيُطعِمهم مما كسب رزقًا حلالاً وهكذا، فكل عمل من أعماله هو هدف قصير يُنجز ليبلغه هدفه الأسمى، وهو رضا الله والجنة.

ولأن مساعدة الآخرين تنعكس إيجابًا على صاحبها؛ فقد رغب فيها القرآن وكذلك السنة المطهرة، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقال -صلى الله عليه وسلم- للترغيب في المساعدة بدون مقابل والتعاون على الخير: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من شُعَب الإيمان))؛ متفق عليه.

والمساعدة الكلامية قسم آخر تَجدُر العناية به، فالبسمة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة؛ لأنهما دعْم نفسي بين الناس؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة))، وقوله: ((الكلمة الطيبة صدقة))، وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها))، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائمًا والناس نيام))، وفي القرآن الكريم: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].

وبما أننا أشرنا لكون الواقعية في تقدير إمكانيات الذات والتعامل معها طبقًا لذلك من وسائل تقوية المناعة النفسية، فإننا نجد القرآن الكريم يؤكِّد على ذلك في عدة مواضع؛ فيقول تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286].

وفي الإسلام حثٌّ على التضامن والتلاحم والتراحم وعدم الهجر؛ ليَظل كل مسلم داعمًا لأخيه، يُسانِده ويَشد أزرَه، ويُفرِّج عنه كربته، ويوسِّع عليه إن ضاقت عليه الدنيا، وله في كل ذلك الأجر والثواب من الله تعالى، وفي الإسلام ومعناه الكثير، وفي كتاب الله ما هو أكثر وأكثر، حقًّا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وإن اطمأنت القلوب فما يَضير الإنسان من بعد؟!

المراجع:
منظمة الصحة العالمية   www.who.int.

موسوعة ويكيبيديا     www.wikipedia.org.

أ. د. جمال الشمري، دراسة عن اضطراب الضغط النفسي، موقع عراقي    http://www.iraker.dk.

د. جون جراي، الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، مكتبة جرير.

د. غادة مراد، كيف يكون الشخص متمتعًا بالصحة النفسية؟ مجلة الابتسامة، مجلة التنمية وتطوير الذات.
www.ibtesama.com.

النشر الأول على شبكة الألوكة

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

قطرات من حبر القلم

قطرات من حبر القلم

للكلمة الواحدة معانِ عدة وكل قلم يكتب الكلمة ذاتها يضمنها معنًا خاصًا هو من روح الكاتب وعقله وقلبه، ولكل كلمة معنًا يختلف باختلاف العين التي تقرأ والأذن التي تسمع، فكلمة تسعدك يومًا وهي ذاتها تبكيك يومًا، وبعض الكلمات لا أشأ أن اقرأها سوى مرة واحدة لشدة ما تترك في النفس، وبعضها أتمنى لو قرأتها في اللحظة ألف مرة ومرة متجاوزة قدرة العين على الإبصار والعقل على التفكير والحس على التذوق، وفي فن العتاب واللوم كلام يطول ويطول وقلما تعيه العقول، ولا أدل على ما أعنيه سوى أن أسميه فن العتاب واللوم لا عتابًا ولومًا مجردًا، فكلمة العتاب قد تجرح وتهدم وتمزق، وقد تبني وتقرب وتزيد الحب والود أضعافًا مضاعفة، العتاب اللطيف يؤتي ثماره، والعتاب الجاف يقتلع جذور ما قد زرعت فيما مضى، ولك أن تختار حسب ما تريد: على قدر حبك وإخلاصك، وعلى قدر نواياك.
***

لأننا شئنا أم لم نشأ ننتمي قلبًا وقالبًا للبشر، وتسري فينا قوانين وأحكام الفطرة والطبيعة ومنها قانون الخطأ، فكلنا يدرك الخطأ عفوًا أو قصدًا، سهوًا أو عمدًا، وتتباين نوايانا وحقيقتنا لا تتغير، فكلنا بشر، ولا يتمايز فينا غير ما يتبع الخطأ، البعض يعتصره الألم والندم ويؤثر الصمت، والبعض يعذبه الندم والخجل ويداوي عذابه باعتذار يرد إليه من قوته الكثير، والبعض لا يأبه بما اقترف ويسير موليًا وجهه شطر أي ناحية من نواحي الحياة عدا ما ارتكب فيه الخطا، وبعضهم يكابر ويتمرد على الفطرة ويسلخ نفسه من بني البشر: أن هكذا أنا بلا خطأ.
ولأن المرء يتخير لنفسه مكانه يوجهه الخلق والدين والعقل والقلب ـ لأجل هذا أتخير لنفسي موضعًا وسط، ولأني بشر فمؤكد أني اقترفت في الحياة أخطاء كثر، ولأن نفسي عزيزة علي وكل من أبقيهم في حياتي لهم من المحبة نصيب عندي ـ لأجل هذا أقول عذرًا للجميع واذكروني بالخير.
تخير لنفسك ما تريد مادمت إنسانًا خُلقت عاقلاً.
***

إنها تضج وتضطرب كالبحر، وعلى أنه يموج موجًا شديدًا ويعصف بالقلوب ويغرقها بالرعب قبل أن تدرك هي أعماقه، على هذا فالبحر ينعم بحرية التعبير، وصوته ناطق ومسموع أبدًا، أما هي فتضج وتضطرب بلا صوت، وكأن الصوت فيها خجل هو فيها من الطبيعة والفطرة، فتتألم وتبكي وهي خرساء، وإن نطقت ما جاوز صوتها مبلغ نفسها.
***

تحسب بعض النصائح مسايرة لمنطق العقل، مفروغ منها، منتهية بتصديق العقل لها، فتتهاون بها ولا تقدرها حق قدرها، وإن لامك لائم فيها غضبت وتعللت بأن أصلها في عقل المرء وفطرته، وإن أنت نظرت إليها نظرة المستبصر لوجدت أن توكيد ما تظنه أصلاً لا يتزعزع إنما هو لأجل ميل الطبع الإنساني عنها فطرةً، وعفوًا لا قصدة، ميلاً مصحوبًا بحسن النوايا، ومن ذلك وصية الله عز وجل للعدل بين الزوجات، والعدل بين الأبناء ، فلو لم يكن علمه يبلغ طبيعة النفس البشرية وميلها عن عدل العقل لهوى القلب لما أوصى بذلك، وإنما اوصى لنظل نحن نقرأ ونذكر وننتبه، ولنشد وثاق أنفسنا كي لا تميل ميلاً شديدًا فتجاوز العدل للظلم، وتبعد عن المساواة لتقارب التمييز.
لن تُرضي كلماتي الكثيرين وقد تذهب بهم الظنون وتبلغ كل مبلغ، وقد يوجه اللوم ولكن إن قرأتم أسطري بعين جديدة لوجدتم منطقًا يقبل النقاش، لا اللوم والانتقاد السريع، ومن يصدق المنطق يحسن التصرف في حياته، والأعرج لا يحسن المشي وتأمين مسيره إلا لو آمن بكونه أعرج، فعدل من فكره، وبحث عن سبل جديدة تعينه على السير، وإن هو نفى وأنكر واستنكر وسعى للسير كغيره بلا سند أو عصا أو دعامة لسقط جسدًا ونفسًا وروحًا.
***

للبعض أقلام قد كُسِرَت أسنتها فإن تتحرك بين يدي أصحابها تهرق الحبر إهراقًا، فلا تترك الصفحة بيضاء فتحسن صنعًا، ولا تكتب شيئًا ذا نفع، وإنما تغمر البياض بسوادها، وإن الحبر ليُطمس عليه ولا يُزال.
***

أنتم تخافون الأحزان، وتخشون حتى الأحرف التي تكون اسمها، أنتم تشفقون على من يذكرها ويشير إليها عن قريب أو بعيد، وانتم كذلك لأنكم تحصرونها في النكبات والمصائب الكبرى، وإنكم لو ألنتم قلوبكم لرأيتم أن العالم مليء بالأحزان التي تزيد القلب لينًا، وتربيه على الشفقة والرفق بالآخرين، ولرأيتم أن بسمة الواحد منا يدفع ثمنها قلب كريم يتجرع مرارة الدمع ليرسم بسمة على شفتي عزيز.
***

الصمت لغة لا تدرك بالكتب ولا بالالتحاق بأرقى المدارس والجامعات ولا بمصاحبة الأساتذة والعلماء، ولكن فيلسوفًا في الحب قد يلقنك بعضًا من أبجدياتها، فما بالك بمفرداتها؟ وما بالك بأبلغ ما فيها؟
الصمت لغة القلوب والعقول المتيقظة، الصمت لغة الحب الخالص، الصمت لغة مجردة من المادة حتى في مفرداتها، لغة لا منظورة ولا مسموعة ولا مكتوبة ولا مقروءة، الصمت هو بلاغة العيون وبيان القلوب، آه لو تعلمون ما الصمت!
***

إن أقلامي لا تبرى بغير الدموع، وعلى قدر الألم الكائن فيها تخلق الحدة في حروفي وكلماتي.
***

"وَهُم فيكَ وأنتَ عنهم تزيد" هكذا يرفع الحب من قدر إنسان ويوسع من نفسه فتضم بداخلها كل البشر وتزيد عنهم، ولأجل هذا يقنع المحب بحبيبه ويهنأ ولا يرى نقصًا أو عيبًا ينغص عليه سعادته.
***

عندما لا تملك القدرة على التمييز بين العام والخاص في النظرة، في الكلمة، في الابتسامة، في المعاملة، في الحب، في العتاب، في اللوم، في الرجاء، في الخضوع، في الاحتياج، في السؤال وحتى في الخصام - فأنت لست أهلاً لتخص بإحداهن.
***

عندما تملك رأيًا سلبيًا أو عندما لا ترضى عن شيء ما، فأبده في اثنين لا ثالث لهما: جواب سؤال استهدفك بالخصوص، أو دفعًا لضرر جلبًا لمنفعة، ودونهما فتبرعك بالرأي إنما هو ضرب من الوقاحة لا الصراحة.
فرق كبير بين الصراحة والوقاحة فلا تخلط هذا بذاك.
***

يخرج الرجل من رحم أنثى، وترضعه أنثى، وتحتمله ذراعي أنثى، وتربيه في طفولته أنثى، وترعاه في شبابه أنثى، فإذا تفتحت روحه وأزهرت حلم بأنثى، وأحب وتزوج من أنثى، فتقاسمه أحلامه وآماله أنثى، وتحمل عنه همومه وآلامه أنثى، ويخرج أبناؤه حاملين اسمه من رحم أنثى، فإذا أراد الرجل أن يخبر مدى قوته بطش بالأنثى، وإن أراد أن يجري لسانه في ساحة السخرية ذهب وراء الأنثى، وحسب أنه قوي حين يعصف بيده أو بلسانه أو بقلبه بالطبيعة وهي أنثى، ولأنها ترعاه طفلاً في مهده وكهولته فهي دومًا صابرة وهو طفل مكابر معاند، فأي قوة ممكنة في مواجهة الأنثى؟
***

عندما يجيد شخص ما قراءتك فإما أنه ماهر بذلك أو أنه حقًا مهتم بك، وعندما تكون أنت متاح لشخص ما فإما أنك ذو تركيب نفسي سهل أو أنك منجذب إليه، وحين يفشل الآخرون في قراءتك فإما أنك ممثل بارع ترتدي قناعًا متقنًا من اللباقة أو أنك لم تجد بعد من يهتم بك وتنجذب إليه.
***

إن مآتي الطبيعة وثمارها نفيسة غالية، وكل مصطنع رخيص بلا قيمة وإن ضاهى الطبيعي في أثوابه وزينته، كذلك ابتسامتي.
***

إن كلمة الحب لا تنفذ من بين شفاهنا كغيرها من الألفاظ، وإنما تثقل قبلاً بالقلب والروح، فتلوح بدءً في العيون، ثم ينفذ ما يشاء الله منها إلى الشفتين، فيصير صدقًا ممزوجًا بدفء.
***

أصدق ما فينا هو أبعد شيء عن العيون، وعن الكلمات ، وعن الوضوح، أجمل ما فينا هو أعمق ما بذواتنا، وأشرف عاطفة تلك التي تدفعنا للعمل صامتين، فنعمل ونعمل ونقول ولا نكاد نقول، ونبين ولا نكاد نبين، ونكشف المظهر ونخفي المضمون، وأصدق دمعة تثقل بالروح ولا تنفذ من العيون، وأعذب كلمة تطل من بين الأهداب لا من الشفاة، وترى في ذاتها شرف يسمو بها عن قوالب الكلام والحروف، لأجل هذا تحب شخصًا ما ولا تدري لمَ تحبه؟ وأي موضع منه جميل؟ فكأن الجمال يسري فيه من هنا إلى هناك، فيأخذك إلى كل ناحية من نواحيه، فلا أنت تعرف إجابة لتساؤلاتك ولن تعرف أبدًا ما دام الحب بروعته قد ربط بين عمقك وعمقه، وأروع أنواع الحب أكثره غموضًا.
***

أنا وأنت مختلفان، فلا تنزع عني أنا، ولا تلبسني قسرًا أنت، ولنعش اثنين مختلفين متجاذبين متكاملين.
***

لا تبيعوا المشاعر أو تبتاعوها.. ارفعوها من على الطرقات.. إنها أثمن من أن تعرض وتباع بأبخس الأثمان، إنها أكرم من أن تغرق الأسواق فيشتريها الكل بلا قناعة.. بلا إرادة حرة.. بلا صدق.. ارفوعها واجعلوها في موضع مصان.. إنها أثمن من الذهب والؤلؤ والياقوت والمرجان.. إنها درة النفس.. إنها كحبة الؤلؤ تنمو داخل المحار.. إن صناها زاد جمالها.. وغلا ثمنها.. وعلت قيمتها.. لا تفرضوها على الناس فرضًا.. فيتجرعوها كارهين.. لا تهينوا الحب والرحمة وألف ألف اسم لكل مشاعر سامية نبيلة كرم بها الإنسان.. ارفوعها واجعلوها عزيزة لا ينالها غير كريم النفس شريف الخلق نقي السريرة.. إنها سر من أسرار القلوب لا تذيعوه فيموت.. يفقد حرارته ودفأة.. ويطرح على الأرض جثة باردة بلا حياة..
***

لأوتار القيثارة سحر تثيره فينا، وجمال تملك به أرواحنا، وتوقظ بعذوبتها مواطن الإحساس فينا، لكنها لا تزال أبدًا أوتار ضعيفة..
***

عندما تقرر سلب الآخرين حقهم في الإعتراض، فكن كريمًا على الأقل ولا تحاول انتزاع اعتراف كاذب منهم بقبول رأيك، فحتى السيطرة وفرض الرأي لها درجات، ويتفاوت أصحابها في مواضعهم على سلم الكرم الخلقي.

نسمة السيد ممدوح

السبت، 9 مارس 2013

لعبة التكوينات الفردية

لعبة التكوينات الفردية

"البازل" أو لعبة التكوينات تلك اللعبة الشهيرة والتي تتسم بالتشويق والمتعة، تحتاج لعبة البازل إلى الصبر والتفكير والتجربة كي تحقق النجاح، فالقطع قد تكون متشابهة لدرجة كبيرة جدًا وقد تضع قطعة في غير مكانها مخطئًا ثم تبني عليها، ومن ثم تفاجأ بالخطأ وتهدم ما بنيت لتعود من جديد للبداية، وتنتهي اللعبة بحصولك على لوحة جميلة هي نتيجة صبرك ومجهودك، وكذلك حياة الواحد منا.
حياة الفرد ليست إلا لعبة بازل، مجموعة من القطع المتناثرة والمختلطة بقطع الآخرين، وعلى كل لاعب أن يعرف كيف يستعيد قطعه ويرتبها حتى يصل في النهاية للوحته الكاملة، وحين تعرف القطعة الأخيرة مكانها في لوحته يكون هو قد وصل لنهاية حياته بالفعل، وتبدأ اللعبة منذ الميلاد، إذ يضع الوالدان أول قطعة في اللوحة وهي اسم المولود، وشيئًا فشيئًا يضيفان قطع أخرى مجتهدين قدر المستطاع في انتقاء القطع الصحيحة، ثم يبدأ الطفل في الإدراك ويكتسب من المحيطين به، ويقتني قطع لنفسه ويرفض أخرى، وتظل اللعبة مستمرة، ومع تقدم الإنسان في العمر سنة تلو الاخرى تزداد صعوبة اللعبة.
إن القطع المتناثرة في الحياة والتي تجمعها لتكون لوحتك الخاصة تشمل:الدين، الأخلاق، الأفكار، السلوكيات، أسلوب الكلام، طريقة اختيار الملابس، المعارف والعلوم، الأصدقاء والزملاء، شريك الحياة، الأهداف، النجاحات، الطموحات، الإنتاج المادي والفكري والأدبي.
ولأن قطع البازل متشابهة وليست متطابقة فما يناسب لوحة شخص ما قد لا يناسب غيره، ولهذا تبطل فكرة الموضة والتوحد في ارتداء زي ذي لون معين أو شكل معين، وإنما يكون من الأفضل أن لا تشذ عن المجموع بشكل كبير وأن تختار ما يلائمك كشخص، فقد خلقت مختلفًا عن غيرك كي تظهر بشخصك لا كي تذوب وتختفي في المجموع كما يذوب السكر في الماء، وفرق بين الذوبان والاتحاد.
على كل حال أنت ستلعب طويلاً مادمت حيًا، تنتقي قطعة وتثبتها في لوحتك، وتبني عليها، وقد يتبين لك سوء الاختيار في مرحلة لاحقة، فتهدم مابنيت وتستبدل القطعة الخاطئة بغيرها، وكذلك أفكارك وسلوكياتك، وبعض القطع صعبة الاستبدال كقطعة الدين أو شريك الحياة مثلاً، ومهما كانت صعوبة الاستبدال فالأفضل أن تلعب باخلاص حتى تتم لوحتك لتبدو على أفضل حال.
وعندما تضع القطعة الأخيرة في لوحتك تفارق روحك الحياة المادية، ويبقى للآخرين لوحة إما جميلة مشرقة، وإما قبيحة قاتمة، بعض الأشخاص تكتشف لوحاتهم بعد أن تتم كشأن مشاهير الشعراء والأدباء والرسامين مثلاً، واللوحات الجميلة قد تقتنى لتزين حياة الآخرين من بعد، والوحات القبيحة قد تعدم حتى من الذاكرة، أما القسم الأعظم من اللوحات فيتراكم بعضه فوق بعض ويغطيه الغبار للأبد.
من أجل هذا اعتن بلوحتك، واختر مصيرها بعد رحيلك.

نسمة السيد ممدوح
9 مارس 2013


اتبعني على Facebook