الجمعة، 10 يونيو 2011

المدرسة والأسرة للقضاء على الأمية الثقافية والاجتماعية


المدرسة والأسرة للقضاء على الأمية الثقافية والاجتماعية

لم يعد التعليم مطلبًا ضروريًا فحسب للإنسان؛ بل إنه أصبح اليوم حق لكل إنسان يناله ليتمكن من مواصلة حياته على نحو طبيعي ومثمر أيضًا، ولم يعد التعليم قاصرًا على الإلمام بقواعد القراءة والكتابة فقط، ولم يعد أيضًا مسمى الأمية قاصرًا على أولئك ممن لا يملكون مهارة القراءة والكتابة، بل أصبحت هناك أمية ثقافية وأمية تكنولوجية وأمية اجتماعية.
وفي الوقت الذي تركز فيه وسائل الإعلام والمدارس على الجوانب التكنولوجية ، وادخال التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية تحقيقًا لهدف الإفادة منها على أقصى ما يمكن داخل الفصول الدراسية، وتحقيقًا لاستخدام التلاميذ لها واكسابهم المهارات العملية في هذا المجال - وفي ظل هذا كله يبدو أن الأمية الثقافية والاجتماعية لا تنال القدر الكافي من الاهتمام سواء داخل المدرسة أو الأسرة.
والثقافة هي مصطلح شدبد الاتساع والشمول أيضًا، وتضم الثقافة أساليب الحياة التي يعيشها الفرد وما يكتسبه من أسرته ومجتمعه، وتضم قيمة وتقاليده وأعراف مجتمعه، وخبراته الشخصية التي يكتسبها بنفسه، والخبرات الجماعية التي يكتسبها من مجتمعه والمحيطين به، وأيضًا لغته ومقدار حصيلته اللغوية، ومعلوماته ومعارفه العامة والخاصة، وبالطبع يندر أن تتحقق الأمية الثقافية بنفس الشكل الذي تتحقق به الأمية الهجائية، إلا أن أقل القليل من الثقافة يعد بمثابة أمية أيضًا.
وهناك الأمية الاجتماعية، ويمكن أن نقول أنها نقص المهارات الاجتماعية، ومن ذلك مهارات الاستماع والحوار والشجاعة الأدبية والقدرة على التفاعل في الجماعات الصغيرة والكبيرة نسبيًا، وعدم الخوف من مواجهة المجتمع، ومن الجدير بالذكر أن هذه المهارات تحتاج في الأساس لبناء نفسي قوي وثابت، أي أنها تحتاج إلى تقدير إيجابي للذات يولد ثقة بالنفس ومن ثم القدرة على اكتساب مثل هذه المهارات التي بدورها ستعزز هذا التقدير وتزيد الثقة وتدفع للنجاح.
إن العمل على تحقيق البناء النفسي الجيد ومن ثم اكتساب المهارات الاجتماعية سيساعد على توسيع دائرة الثقافة للفرد، وسيجعله أكثر رغبة للقراءة والإفادة من الآخرين وتقديم المساعدة لهم أيضًا، وهذه العملية تبدأ منذ السنوات الأولى للطفل، والمفترض ألا يقتصر دور المدرسة على تزويد الطفل بالمعلومات فقط، بل لابد من مراعاة خطوط الثقافة العامة وبأسلوب يتناسب مع التكنولوجيا الحديثة ومعطيات العصر، وإن كانت القراءة وما تزال وستزال الطريقة الأمثل لتلقي المعلومات ـ فإن عملية القراءة تحتاج لإمكانيات وليس مجرد توفير مكتبة داخل المدرسة، الأمر بحاجة لاهتمام حقيقي لتكوين مكتبة مناسبة تشتمل على الكتب الملائمة لكل مرحلة دراسية على أن ترتب على هذا الأساس مما يساعد الطلاب على التجول فيها بحرية والتماس متعة اختيار كتاب معين لقراءته، كما لابد وأن تصمم على نحو جذاب ، وقد تقسم لأركان بحيث يختلف ديكور كل قسم عن غيره تبعًا للمرحلة العمرية التي يُخصص لها، وعلى أن تراعى فيها عوامل الراحة الحقيقية على نحو عملي وليس على نحو نظري فقط، ومن المفيد توفير مربيين متخصصين لإدارة المكتبة وتحفيز الطلاب على القراءة وعقد المسابقات الثقافية بجوائز قيمة، وعلى أن يراعى في ذلك اكساب الأطفال الشجاعة الأدبية التي تمكنهم من مناقشة ما قرؤوه أو طرح الأسئلة أو سرد ملخص لما استوعبوه.
ويمكن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة داخل المكتبات وذلك عن طريق توفير الكتب الإلكترونية وعلى أن تتوفر أجهزة كومبيوتر حديثة وشاشات بأحجام مناسبة، ومراعاة الأطفال الذين يعانون من مشكلات بصرية أو سمعية ضرورة داخل المدارس ، وقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة على تيسير مهمة المدرسة في هذا الشأن، ويمكن أيضًا تحفيز الطلاب على القراءة عن طريق توزيع اسطوانات الكتب والقصص مجانًا كنوع من أنواع المهاداة من المدرسة، وقد تعقد المسابقات الجماعية حول هذه القصص ، ومن المهم جدًا تطوير مهارات التعبير لدى الطلاب وخاصة التعبير الإرتجالي، وتلعب إذاعة المدرسة دورًا هامًا في هذا المجال على أن تنظم بشكل جيد، وعلى أن تكون الموضوعات المطروحة فيها شيقة وممتعة ومفيدة، ومن عوامل نجاح الإذاعة المدرسية ارتباطها الوثيق بالطلاب عن طريق اعداد الاستقصاءات لمعرفة مايهم الطلاب وما يثير انتباههم وفضولهم ومحاولة إشباعة، والصحافة الإلكترونية مفيدة لطلاب الصفوف العليا كالمراحل المتوسطة والثانوية بشكل خاص، وتمثل الصحافة الإلكترونية مشروعًا رائعًا يقوم على تنفيذه مجموعة من الطلاب قد تزيد عن عشرة طلاب في مشروع واحد، ومع هذا فالأمر يتطلب إمكانيات تكنولوجية ورغبة حقيقية من إدارة المدرسة.
وبالرغم من أن كل ما سبق يخص المدرسة كمؤسسة تعليمية فإن الأسرة كمؤسسة اجتماعية لها دور شديد الأهمية، فحث الابناء على المشاركة في الإذاعة المدرسية ومسرح المدرسة وتنظيم الحفلات ضرورة، وحين يرفض الطفل ذلك بدواعي الخجل والخوف فيكون الأفضل طلب ذلك من المعلم أو المعلمة ليختار بنفسه هذا الطفل باعتباره متميزًا وسيحقق نجاحًا، مما يزيد من ثقة الطفل بنفسه ويجعله في مواجهة الموقف ، ومع تشجيع الأسرة سيتغلب على خجله أو خوفه بالتكرار، مما يعني شخصية أقوى وأكثر تماسكًا.
وعقد المسابقات الثقافية في المنزل من الأنشطة المفيدة خاصة في الأسر الكبيرة حيث يتولى تنظيم هذه المسابقات أحد الأعمام أو الأخوال مثلاً، ويكون المشاركون من جميع أفراد الأسرة من سن متقارب، وقد تكلف الأم أو الأب كل ابن بتقديم ورقة عمل عن موضوع معين كل أسبوع، وذلك بمفهوم بسيط للتشجيع على القراءة والبحث، على أن تستغل الفكرة لزيادة شجاعة الابن وذلك بأن يقوم بقراءة ما جمع من معلومات على بقية أفراد الأسرة.
ومع تكرار النشاطات يمكننا أن نحصل على جيل جديد من الأطفال بوعي وثقافة وشجاعة أدبية وفكرية أيضًا، ويكون بإمكاننا أن ننظر لغد نظرة أكثر إشراقًا.

نسمه السيد ممدوح
1 يونيو 2011

النشر الأول في شبكة الألوكة

www.alukah.net

الثلاثاء، 31 مايو 2011

سمر الروح


سمر الروح

على الرمل ويدي وسادتي.. من روعة السماء تذوب حبات الرمل كأنها الحرير يداعبني .. ونسمات الهواء تلاطفني .. من قال أن لليل وحشة يا عمري؟ إن سمر الروح فيه والنواس يصحبني .. ماكنت وحدي والسماء على اتساعها من فوقي.. ماكنت وحدي والأرض خالية من حولي . ماكنت وحدي ولا شيء سوى الصمت من بعد حسي .. أكنت وحدي وروحك تآنسني؟! آهٍ لو أن خيل الثواني يكف عني .. ويتوقف الزمن من حولي .. ولا ينفك الليل وصحبة الروح يا عمري ..

نسمه السيد ممدوح
31 مايو 2011

الأحد، 22 مايو 2011

ساعة من يومك لغد

ساعة من يومك لغد

من الطبيعة نستقي الكثير من الدروس الحياتية، ولأن الإنسان جزء من هذه الطبيعة فهو أيضًا يخضع لقوانينها، ومن قوانين الطبيعة التغير المستمر وعدم الثبات على وتيرة واحدة، لكن هذا لا يعني التقلب والعشوائية، وإنما يعني التغير من حال إلى حال في سلسلة مدروسة كما لو أن كل عنصر يدور في هذه السلسة ينهي حلقة ليدخل في الأخرى ويبدأ من جديد، فالليل لا يستمر وكذلك النهار، والليل يتبعه نهار وكذلك النهار يتبعه ليل، والصيف لا يستمر وهكذا بقية الفصول، هناك ترتيب تسير عليه، وهناك دورة لكل شيء، وحتى الحياة لها دورة أيضًا، وفي جسم الإنسان دورات عديدة، وفي حياته الاجتماعية والنفسية كذلك، وحلقة الترفيه والترويح عن النفس من بين الحلقات التي يمر بها الإنسان باستمرار، وتخطيها المتعَمَّد له بالقفز قد يعرضه للأخطار النفسية المتراكمة.
إن قدرة الإنسان على العطاء والعمل والاتقان مرهونة بكفاءته وخبرته من ناحية، وتأهيله النفسي وقدراته ومعنوياته من ناحية أخرى، لا يكفي أن تكون ملمًا بعلم ما أو متقنًا لحرفة ما حتى تتم عملك على أفضل ما يكون، إن الأشخاص المرهقون والذين يعانون من مشكلات نفسية حتى لو لم تكن كبيرة قد تواجههم صعوبة العمل باتقان، وبالطبع لن يشعروا بمتعة هذا العمل وسيكون نوعًا من العقاب الذي تفرضه عليهم الحياة بطبيعتها، قد يكون العلاج سهلاً وفي متناول الجميع، لكن هناك من يرفض تعاطيه، وهناك من يسيء تعاطيه، كما أن الإفراط فيه يعني تعريض الحياة بجملتها لأخطار التسيب والإهمال.
إن حصول الفرد على ما يكفيه من الترفيه بشكل مستمر وقد يكون بشكل يومي ضروري جدًا، وهناك اشكالية حول طبيعة ها الترفيه ومدته، فالترفيه لا يعني أن تستقطع من يومك ساعات طويلة أربع أو خمس ساعات، يكفي أن تمنح نفسك ولو ساعة واحدة لتحصل على الترويح المطلوب، لكن عليك أن تذكر أن ساعة الترويح ضرورية في يومك وعليك أن تحسب حسابها لا أن تتنازل عنها بسهولة في خضم الحياة، ومهما كان حجم المسؤوليات الإجتماعية الملقاه على عاتقك فعليك أن تتمسك وبشدة على الحصول على هذه الساعة، هذا لا يعني أنك شخص أناني؛ وإنما يعني أنك تدرك قيمة هذه الساعة في يوم غد، لأن الضغط النفسي والعمل المستمر حتمًا سيولد لديك الشعور بالإرهاق والملل، وعندها لن تكون بحاجة لساعة واحدة للترويح، بل قد تحتاج لخطة طويلة الأمد نوعًا ما لتستعيد حيويتك ونشاطك، كما أنك ستكون معرضًا لخطر الانتكاس مع التعرض للمواقف والظروف الضاغطة في تلك الفترة.
وإن أنت سلمت بحاجتك لهذه الساعة فعليك أن تبحث عن وسيلة ترويح مناسبة، المشكلة أن الكثير جدًا يغلب عليهم هذا الانطباع: الترويح يعني الضحك وبالتالي فالحل هو مشاهدة فيلم كوميدي أو الجلوس مع الأصدقاء لتبادل النوادر والأحاديث الفكاهية، ومع أن هذا أو ذاك قد يسليك لبعض الوقت فإن الترويح الحقيقي يعني شيء أكثر عمقًا من هذا، إن مطالعة كتاب ما لأجل المتعة والفائدة الغير مباشرة يعتبر نوعًا من الترويح الإيجابي بحق، أنت تشغل ساعة من ساعات وقتك الثمين بما يخفف عنك ضغوط الحياة من جهة، ويمدك بالإفادة من جهة أخرى، ومع ذلك فنوعية الكتاب المطلوب هنا ذات درجة كبيرة من الأهمية، فكتب الترويح تعطيك الفائدة ولا تحتاج إلى تركيز شديد كما هو الحال عند قراءة الكتب السياسية مثلاً، لا تعجب أن تكون الروياات القيمة نوعًا من أنواع الترويح المفيد، لأن المؤلفات الروائية الكبيرة هي أكثر من مجرد سرد لأحداث رواية فقط، وإنما غالبًا ما تحمل بين جنباتها الكثير من الإشارات والعبارات الفلسفية التي ستقودك للتفكير والتأمل، وبعضها يعالج موضوعات ذات جانب تاريخي مما ينعش ذاكرتك التاريخية وهكذا، أضف إلى هذا زيادة حصيلتك اللغوية تلك الحصيلة التي تظل بحاجة لإضافة وصقل على مدى الحياة.
بعض الأفلام السينمائية تعتبر وسيلة من وسائل الترويح عن النفس، ورغم أن المُشاهد يدرك جيدًا أن ما يراه على الشاشة ليس حقيقيًا؛ إلا أن تجاهل هذه الحقيقة هو ما سيجعلك تفيد حقًا من مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك، إن معايشة أشخاص لا تعرفهم بعض المواقف يجعلك تتحرر قليلًا من أفكارك وضغوط حياتك، وسيساعدك أيضًا على التعايش فيما بعد مع من حولك، قد يكشف لك جوانب خفية في أشخاص مقربين منك قد تجاهلت أنت ظروفهم يومًا ما، هذا نوع من أنواع انعاش النفس وعلاجها، ومعايشة المواقف التمثيلية حتى لو لم تكن سعيدة وذرف الدموع أحيانًا يكون ذو فائدة كبيرة، لأنه سيحرر مشاعرك في لحظات، وسيشعرك بعدها بالراحة، وأنت لن تصل لهذه المرحلة من المعايشة إلا لو نحيت جانبًا اقتناعك بأن هذا الفيلم غير واقعي وأنه يحاول جذبك إليه ، لأنك في هذه الحالة ستتمنع عنه بطريقة غير مباشرة وبالتالي ستفقد المتعة والفائدة النفسية أيضًا.
لكن ثمة أمر بالغ الأهمية لابد أن تضعه في حسابك، لا تفوت الفرصة لتتعلم شيءً مما تقرأ أو تشاهد، اقرأ بعمق قدر المستطاع، افد من أي معلومة ترد ولو في سياق القصة مثلاً، إن كنت تقرأ عن أحداث تدور في بلد آخر فاعرف عادات هذا الشعب من خلال تصرف أفراده في الرواية، إن كنت تشاهد فيلمًا فتمتع بجوانبه الإخراجية: زاوية التصوير هنا، تعبيرات الوجه في تلك اللقطة وهكذا، فتراكم كل هذا يحقق لك الترويح المطلوب وتجديد النشاط.
وأخيرًا لا تنسى أن تحترم حاجة الآخرين للترويح، ولا تنسى أن الترويح الحقيقي لا يخالف الأخلاق والدين، الترويح الحقيقي يبني ولا يهدم، الترويح الحقيقي يجعلك أكثر نشاطًا وفاعلية ولا يسلمك للكسل والإهمال في العمل.

نسمه السيد ممدوح
22 مايو 2011

الخميس، 5 مايو 2011

ابلغوه مني السلام


ابلغوه مني السلام

دقت الساعة وشاركتها القلوب، وفُتِحَت الأبواب وسالت الدموع، تشابكت أيدينا وأودعتك أمانتي، أكان وداعًا أم املاً في اللقاء لا جواب، وارتجفت الدرجات وأغلقت الأبواب، وانتُزِعَت الروح مني وقلبي معلق هناك، لا أرض ولا سماء، وبين اثنين متباعدين كان دومًا هناك، وتمر الأيام وفتجان قهوتي ملؤه النصف، وشمسي تشرق دومًا قبل الأوان، تقاسمنا الحياة فلي النصف في كل حال، وأمانتي لا تزال بعهدتك هناك، وبت علامة لوصول القطار، ولكل مسافر: احمل له مني سلام، وقالوا لا نعرف له عنوان، حلم هو أم حقيقة تذكري ربما اشقاك الانتظار وسلمك للهذيان، وبين الحين والحين يتغير شيء ما هناك في الأفق، ولا يلبث أن يعود كما كان، كم مضى على الفراق يا سيدي؟ كم بقي على يوم اللقاء؟ إن كان عشقي لفكرة فحتمًا لا أمل في الجواب، ولابد من الانتظار، سلام حبيبي، لا تنساني ، فأنت مني ويومًا تعود ترد أمانتي، هكذا خلقنا اثنين وافترقنا لنعود يومًا من جديد: اثنين ولا مكان للوداع.

نسمه السيد ممدوح
5 مايو 2011 م


السبت، 30 أبريل 2011

ما وراء المعاني


ما وراء المعاني

كثيرًا ما نردد عبارة "اقرأ ما بين السطور" لكن كثيرًا ما ننسى أن علينا حقًا أن نقرأ ما هو مخبأ أسفل الكلمات التي على السطور، أكثر المعاني عمقًا قد نعبر عنها بعبارات بسيطة جدًا، وتبقى العلاقات بين الصور والكلمات هي الدليل للمعاني الخفية المقصودة، لهذا لا تسلم دومًا بأول معنى يتوصل إليه عقلك، ثق أن وراء العبارات القصيرة خاصة معانٍ كثيرة.
وفي هذه الأسطر سأخوض جولة مع عبارة بسيطة نقشتها يومًا ، أظن أن الكثير من رسالتي لم يبلغ أحدًا، ليس لصعوبة في تركيب الجملة أو استخدام مفردات بعيدة المعنى؛ ولكن لهذا الفارق الكبير بين بساطة التصوير وعمق المقصود، يومًا كتبت "لا تقر بأن الثوب مريح مالم ترتديه من قبل" هذه العبارة القصيرة قد نقول أشباهها كثيرًا في حياتنا اليومية؛ لكن حين نكتبها مجردة فالأمر هنا يختلف، نحن نكتب بدون موقف معين ؛ إذا ليس من العدل أن ندرك الجملة في إطار موقف نرددها فيه عادة، وإنما علينا أن نناقشها بعمق أكثر.
الثوب هو حقًا هو كل ما يمكن ارتداؤه، هذه حقيقة لكن الثوب الذي قد تصوره الكلمة لأعيننا هو الثوب المنسوج لأن هذه هي أقرب صورة مادية للثوب، لكن الثوب بمعناه الواسع قد يكون غير مرئي وغير مادي أيضًا، في العربية نجد الكثير من التعبيرات التي تساعدنا لإدراك المعنى ، فنقرأ في القرآن لباس التقوى، ونقول ثوب الفرحة، ثوب الحزن أو الهم وهكذا، فالثوب هنا هو شيء ترتديه النفس أو يرتديه القلب وليس ثوبًا منسوجًا يرتديه البدن، ومادام الأمر كذلك فالمعنى حقيقة سيتجاوز ذاك الذي ننظر إليه بسطحية.
عندما نقول لا تقر بأن الثوب مريح مالم ترتديه من قبل فهذا أيضًا يعني أنه ليس من الصواب أن نحكم على حالة ما أو وضع ما بأنه سيكون كذا أو كذا مادمنا لم نعايشه قبلاً، وهذا يعني أيضًا قصور حكما على المستقبل حتى لو كان مستقبلنا، ويقودنا هذا أيضًا لندرك أن المبالغة في إصدار الأحكام على حالات مستقبليه قد يجعلنا عرضة للصدمات والانتكاسات، لماذا؟ لأننا حين نحكم بأنه عندما يحدث كذا أوعندما سنكون في هذا الموقف سنكون سعداء فإننا نؤهل أنفسنا لانتظار ماهو جيد فقط، وعندما يحدث ماليس متوقعًا قد نصاب بخيبة أمل، هذا لا يعني أن نتوقف تمامًا عن التفكير أو توقع ما يمكن أن يكون، أو كيف سنكون في المستقبل، لكن يعني أن نبتعد قدر الإمكان عن المبالغات.
من ناحية أخرى قد نرى شخصًا يرتدي ثوبًا مختلفًا عنا، وفي هذه الحالة ليس من العدل أيضًا أن نصدر عليه حكمًا بأنه سعيد أو بنبغي عليه أن يكون كذلك، أو أن عدم ارتياحه لهذا الثوب خطأ وأنه هو المسؤول؛ فمادمنا لم نرتدي هذا الثوب من قبل فيجب أن تكون احكامنا عليه حذره، وما يلائم هذا قد لا يلائم ذاك، هذه أيضًا حقيقة نقرها في حياتنا المادية حتى في التعامل مع الأثواب، فما يناسب صديقك قد لا يناسبك أو قد لا تشعر معه بالراحة.
وختامًا هناك دومًا ثوب سيريحك ، وكما نبحث في المتاجر عن هذا الثوب ونقضي الساعات في رحلة البحث تلك؛ فأنفسنا هي أيضًا أولى وأجدر بأن نوليها هذا الاهتمام، فالأبدان لا شيء بدون نفوس تسكنها.

نسمه السيد ممدوح
30 ابريل 2011


الخميس، 28 أبريل 2011

امنحه الحرية، امنحه القوة ليحيا حياة طبيعية


امنحه الحرية، امنحه القوة ليحيا حياة طبيعية

الأبناء نعمة من الله، ولكن عندما يرزقك الله بطفل يعاني من مشكلة صحية أو إعاقة بدنية أو عيب خِلقي ـ عندها تذكر أن الله ألقى على عاتقك مسؤولية كبيرة جدًا، لا تتصور أن الألم الذي سيعتصر قلبك حينها وصبرك عليه هو المقصود؛ بل هناك ما هو أكبر، فأنت تحمل عبء تنشئة هذا الطفل ليشعر بالفعل أنه يحيا حياة طبيعية، معادلة صعبة وعسيرة في تحقيقها لكنها ليست مستحيلة، طفل غير طبيعي ينشأ ويعيش باعتباره طبيعيًا ، كيف يمكن تحقيق ذلك؟
في بداية هذا المشوار الطويل الشاق احمد الله على ما ابتلاك به، وعاهد نفسك على أن يحيا ابنك بسلام وبحرية، وأن يحيا طبيعيًا، ثم ابدأ العمل، تذكر أن خوفك عليه وتألمك من أجله سيدفعك لارتكاب الأخطاء والهفوات، هذه ليست أخطاء بمعنى الأخطاء وإنما هي أخطاء في الأسلوب الصحيح للتعبير عن معاني الرعاية والإهتمام، فحتى عندما نهتم بمن نحب أو نهتم بأصدقائنا أو إخواننا أو والدينا .. الخ ـ علينا أن نذكر دائمًا هذا الخيط الرفيع الذي يفصل بين الرعاية وبين جرح شعور الطرف الآخر لشعوره بالنقص والعجز، لا نقول يجب أن نحافظ على هذا الخيط فقط؛ بل يجب أن لا يُمس أو يهتز أيضًا، فالشعور بالنقص والحرمان أو العجز ينمو سريعًا داخل الإنسان ويولد نوعًا من النضج المبكر في بعض جوانب شخصيته ، قد يكون البعض قادرًا على التعبير عن نفسه في تلك المواقف الحساسة، والكثير لا يملك ذلك، وهناك الأكثر ممن يملكون القدرة على التعبير لكن الشعور الداخلي بالألم والمرارة يدفعهم لالتزام الصمت رغمًا عنهم، لهذا لا تكن قاسيًا مع ابنك حتى في رعايتك وخوفك عليه، لا تسال سؤالًا لن تفيد منه ، إن كان ابنك يعاني من مشاكل بصرية فلا داعي لتسأله باستمرار "أتستطيع رؤية هذا هناك؟" أنت تطرح السؤال بنوايا طيبة وابنك يدرك هذا، لكن على كل حال قد اخترق سؤالك المتكرر قلبه ونزف منه ولو قطرات.
قد ترغب في أن تخفي عيوب ابنك عن الآخرين حتى لا يتعرض له البعض بالسخرية أو طرح الأسئلة المؤذية ، وهذا شعور نبيل منك؛ لكن افعل هذا بطريقة غير مباشرة، فلا تقل ارتدِ هذا حتى تخفي ساقك أو ذراعك مثلاً، ولكن قل له هذا أجمل عليك، ارتدِ هذا المعطف اليوم فأنا أفضله أكثر.
وفي كل الأحوال تذكر أن تمنح ابنك قدرًا كافيًا من الحرية، فالرعاية المستمرة تصيب الإنسان أحيانًا وفي لحظات معينة بما يشبه الاختناق النفسي، إنه نفس الشعور الذي قد ينتابك عندما تتواجد في مكان ضيق جدًا وتشعر بضيق التنفس، هكذا ابنك في لحظات معينة، أنت تخنقه ليس بالرعاية في حد ذاتها وإنما بشعوره الداخلي بالعجز الذي يجعله دومًا في حاجة للرعاية، وكلما كانت إعاقة ابنك بعيدًا عن القدرات العقلية، وكلما كان هو أكثر نضوجًا؛ كلما احتجت أنت لقدر أكبر من الوعي والحذر في التعامل معه.
تذكر لا تتصرف بدافع الحب الأبوي فقط، لا تتعاملي بقلب الأم فقط، لابد من التعقل في الكثير والكثير جدًا من المواقف، امنح ابنك الفرصة ليعيش بقوة وحرية، ساعده على أن يجتاز اوجه القصور فيه، لا تجعله يحيا في سجن نفسي كلما حاول الهروب منه رَددته أنت إليه دون أن تدري، وتذكر أن الكلمة البسيطة قد تُدمي، عندما يصطنع ابنك القوة والقدرة على الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية فاتركه يجرب ويخوض هذه المعركة، فهي ليست معركة مع الحياة وإنما معركة مع النفس، فقط اهتم وراقب عن بعد وكن جاهزًا عندما يطلب منك العون، وتمنى له الانتصار في معركته، وتذكر أن هذه المعركة حتمًا ستأتي فكن مستعدًا لها.
وكلمة أخيرة، إذا رزقك الله بأطفال أصحاء فلا تنسى أن تلقنهم أدب التعامل مع غيرهم من الأطفال الذين يعانون من مشكلات بعيدة عنهم، علم ابنك ألا يسخر من آخر، علمه أن يساعد الآخرين بحب، علمه أن لا يسأل الآخرين عن أسباب عدم قدرتهم على فعل هذا أو ذاك، علمه أن لا يتعجب من عيب خِلقي ، فأنت لن تكون سعيدًا إذا رُزقت بطفل يعاني من مثل هذه المظاهر المؤلمة.
ارحم طفلك وعلمه أن يرحم الآخرين من حوله.

نسمه السيد ممدوح
19 يناير 2011

النشر الأول في شبكة الألوكة
www.alukah.net

الأحد، 24 أبريل 2011

فانتازيا


فانتازيا

في ساعة غير مذكورة، حين تصطبغ الجدران باللون الأبيض، تغيب النوافذ، تستحيل الأصوات من حولي، حينها تدب الحياة في أوراقي وقلمي، تراني مرآتي وتقدر على محاورتي، لماذا العبرات يا سيدتي؟ هكذا باغتتني أوراقي، آذتها دموعي فأشفقت لحالي وصمتي، يا صديقتي أجيبيني : أكانت طفولتنا جميلة أم شبابنا هو الأسوأ؟
حيرتني وما الفارق؟

إن كانت هي جميلة فهي حقًا كذلك، وإن كان شبابنا اسوأ فهي لم تكن غير عادية أو سيئة من دونه يا عزيزتي.
أذكرك يومًا وصفتها بأنها حقًا جميلة.

خبريني أنت ألم تكن منازلنا دومًا فسيحة مزدانة مشرقة سعيدة؟ أما كانت وجباتنا وحلوتنا دومًا لذيذة؟ أما كانت أيامنا حقًا صافية نقية سعيدة؟ ألم تزل ذكريات الطفولة بيضاء طاهرة؟ أما كانت ذراعي أمي أكثر حنانًا وأحضانها أكثر دفئًا؟ أماكنت مدرستي جميلة؟ ونزهاتنا عديدة ومغامراتنا كثيرة؟ أما كانت صداقاتي كثيرة؟ وضحكاتني وتذكاراتي هنا وهناك لا عد ولا حصر؟ أما كانت قصصي بهيجة؟ أما كانت حدائقنا مزهرة ؟ وسماؤنا صافية ؟ وشتاؤنا ممتع وأمطارنا مثيرة؟

نعم كانت كذلك، وشبابك أيضًا بالجميل مزدان؛ لكن هو النضج يا صديقتي.
صدقت يا جليستي، أنت أيضًا في شبابي جميلة، وفي طفولتي ما عرفتك، وعشقت دميتي والعابي البسيطة، أما عشقك وقلمي فماكان غير حب شبابي ونضوجي، تحية لك طفولتي وسلام لأيامك النقية.

نسمه السيد ممدوح
23 ابريل 2011


اتبعني على Facebook