الجمعة، 24 فبراير 2012

الناجحون : إنهم ليسوا كذلك دومًا

الناجحون : إنهم ليسوا كذلك دومًا

كتبت ذات مرة كلمات بعنوان "الدرج المكسور" ودونت جملة بانفعال صادق حينها، ثم عدت إليها مرارًا مع مرور الشهور والسنوات: "وكلما صعدت أكثر فاحذر من مدح الآخرين ، هم فقط لا يعلمون، فسر نجاحك قد يحيلك يومًا إلى بائس مكسور"، وقد قرأت اليوم نصًا ذكرني بتلك الكلمات، بل جعلني أرغب في الإضافة إليها، وإكسابها مزيدًا من الوضوح، فما فكرت فيه حين دونت هذه العبارة كان شعورًا صادقًا لم أوفق في تفسيره بوضوح، وربما أني لم أكن قد بلغت حينها ما بلغته اليوم، ولأجل هذا أسطر هذه السطور موضحة ما أبهم في عبارتي السابقة.
قرأت عن رحلة الحياة وكيف يمكن التخطيط لها لإحراز النجاح، وأنك في رحلتك بحاجة لأناس تصطحبهم معك، وأن هناك معايير يفترض مراعاتها عند اختيار هؤلاء حتى تنجز الرحلة بسلام وبأكبر قدر ممكن من المكاسب، وأنت في رحلتك ستدفع بنتفسك وبالآخرين إلى النجاح، وأنت ستلعب دور القائد هنا في رحلتك، ولكن وعلى نفس القدر من الأهمية ستكون محتاجًا ولو في أوقات معينة وقليلة لأن يصطحبك الآخرون معهم، ستحتاج للمساعدة حتمًا، والحتمية منبعها عدم الكمال المؤكد في البشر، والسؤال هو من سيصطحبك معه؟
إن الأناس الناجون يعانون من نظرة المحيطين وتقديرهم في أدق لحظات حياتهم ومواقف ضعفهم، ففي حين يحتاجون فعليًا للمساعدة والدعم يفترض فيهم الآخرون القدرة الذاتية على تجاوز الأزمة دون مساعدة، باعتبارهم أقوياء بما يكفي، وفي حين يتلقى منهم المحيطين بهم ما يحتاجون إليه من تفاؤل وأمل وثقة فإنهم لا يمدونهم إلا بالقليل منها.
تزداد المشكلة تعقيدًا بحاجة هؤلاء إلى من هم أهل لثقتهم حقًا ليكونوا قادرين على الذهاب معهم، فلا تتوقع أن يوافق أحدهم على مرافقة من هو أضعف منه في موقف متأزم يحتاج فيه إلى دعم حقيقي، إن القوة والضعف هنا لا تعني بالضرورة شيئًا يمكن ملاحظته بالعين، وإنما هو شعور داخلي بالدرجة الأولى، إن الشعور بالقوة ينبع من أشياء كثيرة من أهمها التماس الإخلاص في الآخرين، وتلك مشكلة حقيقية، والإخلاص أصعب من أن تجده بشكل مرضي في الكثيرين، إن المحيطين يتفاوتون في درجات إخلاصهم لك، وأكثرهم إخلاصًا هو أقدرهم على مساعدتك حقًا.
إن سر النجاح الذي يبهر الآخرين هو أيضًا السبب وراء متاعبك الخفية، والتي لا يمكنك البوح بها لأحد منهم، قد تبحث عمن هو أقوى وأكثر ثباتًا وإخلاصًا ليقدم لك المساعدة، ولهذا لا تحمل مدح الآخرين على محمل التصديق المطلق، إنهم يرون الصور من زاوية واحدة فقط، إنها زاوية علاقتهم الخارجية بهم، وكلما كنت اكثر تأثيرًا فيهم كلما كنت أفضل بالنسبة لهم، ولا يعني ذلك أنك الأفضل بالنسبة لذاتك.
وختام تلك الأسطر لا تزد الضغط على الناجحين من وجهة نظرك، إن لمست تغيرًا في أطوارهم، أو حاجة أو ضعفًا يحاولون مداراته بابتسامة باهتة أو نبرة خافتة فكن أكثر لطفًا وكرمًا بهم.

نسمة السيد ممدوح
24 فبراير 2012

الأربعاء، 15 فبراير 2012

أخطاء كامنة

أخطاء كامنة

لا يكف البشر عن ارتكاب الأخطاء، ولكن ليس كل الأخطاء آثام تستوجب العقاب، وبالرغم من ذلك فكلها تستوجب الاعتذار، ربما لن تعتذر للآخرين فقط، وإنما هناك أخطاء تحتم عليك أن تعود لتصالح نفسك وتعتذر لها عما سببته لها من آلام ومتاعب، إن هذا النوع من الأخطاء هو ما أعنيه بالتحديد، إنه ليس سلوك تقترفه بجهل أو عمد لتؤذي غيرك أو لتضر نفسك بشكل مباشر، وإنما هي أخطاء في المعتقدات أو الأفكار أو الطموح أو الرغبات أو التوقعات.
إن الإسراف دومًا يقود للهلاك، يتساوى في ذلك الإسراف في الخير والشر، في الجهل والعلم، في النور والظلمة، في الوحدة أو الإندماج في الجماعة من حولك، إنك قد تخطئ حين تبني آمال وتوقعات عظيمة على شخص تحبه، إن هذه الآمال بنيت على أرض ليست ملكًا لك، أنت تملك قلبك وعقلك، وتملك الحق في كشف خباياهما وإصدار أحكامك عليهما، لكنك لا تملك هذا الحق مع غيرك، ومهما كانت درجة قربك من الآخرين تظل هناك دومًا مناطق مظلمة لا تستطيع اختراقها، لأنها ملكًا خاصة لأصحابها، ولأنك تبني على أرض غيرك فأنت تجازف حقًا، وإن جاوز بناؤك في علاه فقد ينهار على رأسك يومًا، أنت لا تعلم مدى صلابة الأرض التي بنيت عليها، ولا تعلم مدى موافقة صاحبها وترحيبه بوجودك، لهذا يوصف تصرفك بالخاطرة.
إن المخاطرة هنا قد تدفع بك لليأس والإحباط، أنت تبني توقعات وآمال وقد لا تنال منها غير القليل، عندها تشعر أنك خسرت الكثير، خسارتك معنوية وليست مادية، وكامنة وغير ظاهرة، ولن يشعر بها وبمرارتها سواك، إنك انت المتسبب في تلك الخسارة وعليك تحملها وتجرع مرارتها، بل والتماسك أيضًا لتقديم الإعتذار الحقيقي لنفسك التي دفعت بها لتلك الحالة المؤلمة.
واعتذارك لن يتحقق بكلمة أو بضع كلمات، إنك بحاجة لهدم ما بنيت بيديك قبل أن ينهار لينسفك نسفًا، أو يبقيك حيًا بين أنقاضه تلفظ أنفاسك الأخيرة بألم وحسرة، عليك أن تعيد تقييم العلاقات من حولك، وعليك أن تتراجع عن إسرافك، فالخسارة هنا فادحة بأكبر مما تتصور.

نسمة السيد ممدوح
15 فبراير 2012

الاثنين، 6 فبراير 2012

في مداخل الإقناع

في مداخل الإقناع

في فن الإقناع يوجد ما يعرف بمداخل الإقناع، ومداخل الإقناع هي الأساليب المتبعة في الحوار أو الخطاب - ويبينهما فرق - للتأثير على الطرف الآخر ودفعه لتبي وجهة نظر جديدة أو تعديل وجهة نظره الحالية، وتنقسم هذه المداخل إلى مدخلين رئيسيين هما :المداخل العقلية والمداخل العاطفية، وعندما تستخدم المداخل العقلية فأنت تخاطب عقل المتلقي محترمًا إياه ومستندًا على حقائق وأرقام يمكن تأكيدها ببراهين وأدلة وشواهد، وتخاطب الطرف الآخر بما يدفع عقله للتفكير بشكل منطقي والتحول إلى جانبك وتبني وجهة نظرك، وبالطبع تلك طريقة تصلح لخطاب المتعلمين والمثقفين.
أما المداخل العاطفية فتخاطب عواطف الفرد، وتستخدم كل ما من شأنه تحريك العواطف ودفعها دفعًا مقصودًا لتبني وجهة نظر معينة، وهنا يكون المقنع خطرًا على المتلقي، لأن المداخل العاطفية قد تستخدم بطريقة غير شرعية وغير أخلاقية أيضًا، وقد تدفع المتلقي لتوهم أشياء لا وجود لها في الحقيقة، وقد تدفعه للتخلي عن آرائه تحت ضغوط مصطنعة أيضًا، وقد تدفعه للقضاء على حاضره وتدمير حياته معتقدًا أنه يسعى لبناء نفسه ودفعها للأفضل، وهذا الأسلوب هو الأخطر من نوعه على الإطلاق، وهو ذو تأثير كبير على الأشخاص ذوي التعليم المتوسط أو المتدني أو الأميين، أو الأشخاص المستثارين والذين يعانون من الضغوط النفسية، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من الأمراض والمشكلات الصحية، وصغار السن والنساء بشكل كبير، وهذا الأسلوب لا يحترم عقل المتلقي بل يتعامل معه بدهاء لتحقيق مصالح المقنع في الغالب، ويستثنى من لك حالات خاصة تكون دوافع المقنع فيها سليمة وخيرة وبناءة، وتكون القضايا المطروحة إنسانية وعاطفية بطبيعتها، كما هو الحال في محاولات الترغيب في بر الوالدين مثلاً أو الحنو على صغار السن وحسن المعاملة بين الزوجين وما شابهها من قضايا إنسانية.
إلا أن استخدامك لمدخل عاطفي في محاورة مع شخص يستخدم مدخلاً عقليًا يعد أمرًا شديد الخطورة، والمستخدم للعاطفة هنا واحد من ثلاث في رأيي الخاص:
شخص جاهل بأساليب الحوار والإقناع، ويخلط هذا بذاك، وتلك صورة ردية للمتحاور.
شخص لا يملك الحجة، يشعر بالضعف والعجز، فيسعى لتحويل الحوار من منطق العقل للعاطفة في محاولة أخيرة للتأثير على محاوره.
شخص يتسم بالدهاء والمكر يستخدم أسلوب الضغط على مشاعر الآخرين للتأثير على آرائهم ولو بشكل مؤقت، ودفعهم لإقرار ما يريد في لحظات معينة تحت ضغط عاطفي كبير، وعادة ما يكون ضغطًا شخصيًا.
في الحالة الأخيرة يكون المتبع للأسلوب العاطفي في مغامرة حقيقية، فإما أن يكون الخصم ضعيفًا فيحدث التاثير المطلوب وما أكثر هؤلاء خاصة ممن يدعون العقل والمنطق بلا حجة حقيقية، وإما أن يكون قويًا لدرجة تحرج المقنع وتضعه في مأزق حقيقي، وهنا ينكشف عجزه ومكره وينهزم بسهولة في معركته الحوارية.
وتستخدم تلك المداخل الإقناعية بناء على دراسة وتخطيط مسبق فيما يعرف بالحرب النفسية، حيث يمكن إستثارة الطرف الآخر ودفعه لحالة نفسية معينة تجعله مهيأ لاستخدام المداخل العاطفية بدلاً من العقلية، ولهذا لا تبدو رسائل الدعاية من هذا النوع واضحة للمتلقي، إذ يدفع أولاً لحالة معينة تجعل من الصعب عليه أن يستمع لصوت العقل، وفي بعض الأحيان يمكن لمديري رسائل الدعاية أن يوهموا المتلقي أنه يستخدم منطق معقول للوصول للنتائج، بالرغم من أنهم استخدموا أساليب عاطفية لدفعه لهذا الإعتقاد الواهم، لأجل هذا توصف الدعاية والحرب النفسية بأنها أشد الحروب تأثيرًا، إذ أنها تؤثر على الأفراد، والأفراد هم المحركون لكل شيء في المجتمع، وهم المؤثرون في كافة النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
وفي نهاية الأمر أنت تملك قرار نفسك فأي المحاورين تريد أن تكون؟ وأي المتلقيين تريد أن تكون؟

نسمة ممدوح
6 فبراير 2012

الأربعاء، 1 فبراير 2012

العلاقة بين تغير الرأي والنفاق الإجتماعي

العلاقة بين تغير الرأي والنفاق الإجتماعي

متى يكون من حقك أن تعبر عن رأيك بوضوح؟ هل آراؤك قابلة للتطوير والتغيير أو الاستبدال بالكلية؟ ما علاقة تغير الرأي بالنفاق الإجتماعي؟ أفكار أثارتني وحفزت قلمي للكتابة ودفتعه إليها دفعًا.
الرأي هو الحكم الذي يكونه الفرد حول قضية أو موقف أو فكرة أو شخصية معينة، ولأن الرأي حكم فهو بالضرورة لا يتكون من فراغ، وإنما هناك عناصر اجتمعت معًا في ظروف وعوامل معينة أنتجت في نهاية الأمر هذا الحكم، وفي حال تغير أحد تلك العناصر أو العوامل فمؤكد سيتعرض الرأي لشيء من التغيير الكلي أو الجزئي، وهذه العناصر تشمل المعارف والحقائق والخبرات السابقة والمعتقدات، ولأن المعارف تتأثر بمستوى التعليم والعمر فهي في تطور مستمر سواء في الكم أو الكيف، تزيد مع العمر، وتتغير طبيعتها كذلك، تتضح أمور لم تكن على هذا النحو قبلاً، تفسر أشياء وهكذا، وفي حين يصبح العقل مع زيادة العمر قادرًا على التحليل والربط والاستنتاج بشكل أفضل مما يفرز لديه حصيلة أخرى من المعلومات التي يستخلصها بنفسه من البيانات التي يجمعها من حوله، أما الحقائق فهي في تطور وتغير أيضًا، إلا أن الحقائق التي تبلغ كل فرد في المجتمع لا يمكن النظر إليها باعتبارها صحيحة ومشتركة بين الجميع، فكل فرد يتعرض لوسائل مختلفة لنقل الحقائق، بعضها صادقة وبعضها كاذبة، بعضها موضوعية وبعضها ذاتية، بعضها أمينة وذات هدف نبيل وبعضها موجهة، ولهذا لا يتشارك الأفراد في حصيلتهم من الحقائق، ومع تفاوت مستوياتهم التعليمية ونضجهم العقلي تتفاوت أيضًا اساليبهم في التعامل مع تلك الحقائق ومعالجتها وتقييمها، والتجارب والخبرات السابقة هي كذلك حصيلة تختلف من فرد لآخر ، والأفراد كذلك يختزنون تجارب المحيطين بهم بدرجات مختلفة، بعضهم سطحي لا يأبه بشيء من حوله ويعيش بذاته فقط، وبعضهم أكثر عمقًا وإيمانًا بأن من حوله هم ثروة من المعلومات والخبرات عليه أن يفيد منها قدر استطاعته، أما المعتقدات فهي الأحكام الأكثر ثباتًا ورسوخًا لدى الفرد.
وعندما يكون الفرد رأيه تجاه قضية أو فكرة أو شخص فإنه يفيد من كل ما سبق، ويتأثر كذلك في لحطة التكوين بعوامل عديدة أهمها الحالة الإجتماعية والنفسية للفرد في تلك اللحظة، كذلك مكان تواجد الشخص والمحيطين به، وحاجاته ورغباته، ومن أبسط الأمثلة وأكثرها ملاحظة في الحياة اليومية أن الشخص المرهق أو الجائع ربما يمنحك رأيًا في موضوع ما يختلف تمامًا عن رأيه وقت راحته وهدوئه، وهذا طبيعي جدًا.
بعض الآراء تتعلق بأمور بسيطة فلا يؤثر فيها التغيير شيئًا، فلن يؤثر عليك أو يشغلك رأي صديقك في مطعم أو مقعهى معين، ربما أثنى عليه في يوم وانتقده في آخر، ولكن تظهر المشكلة والصدام عندما يتعلق الأمر بقضايا هامة، فتجد أن من تبدل رأيه بشكل جزئي أو كلي يهاجم من قبل المحيطين به، البعض يستخدم السخرية كوسيلة للإنتقاد، البعض يكون هجوميًا فيوجه تهمة النفاق الإجتماعي، وعلى كل حال الساخر والمهاجم ليسا على حق، فما دامت عناصر تكوين الرأي في تغير مستمر فمن الطبيعي أن يتغير الرأي معها، قد تبلغ الفرد معلومات جديدة لم يكن يعرفها قبلاً، قد يتعرض لخبرات شخصية إضافية تدفعه لإعادة معالجة ما لديه من معلومات وبيانات وحقائق بطريقة مختلفة، قد يتغير المحيطين به مما يمنحه فرصة لاكتشاف آراء جديدة ومراجعة آراءه السابقة، وتغير آراؤه في هذه الحالة ليس جريمة يحاسب عليها، وإنما يصبح الآخرون جهلاء بالطبيعة البشرية عندما يوجهون اللوم بشدة، ومن ناحية أخرى قد تتوافر لدى الفرد معلومات وحقائق تزيد من تمسكه برأيه، وهذا لا يعني كونه عنيدًا متغطرسًا لا يأبه بآراء الآخرين؛ وإنما هو صاحب رأي وجد ما يدعم رأيه ويزيد اقتناعه به.
أما النفاق الإجتماعي فينطبق في رأيي على من تتبدل آراؤه لتحقيق مصالح شخصية ليس أكثر، كمن يرى أن شخصًا ما غير مناسب لوظيفة ما، وعندما يفاجأ بذلك الشخص مديرًا له ذات يوم تتبدل آراؤه فيثني عليه عن اقتناع حفاظًا على مصالحه وضمانًا لحمايته، أما أن يتغير رأي الفرد في غيره بشكل طبيعي فهو أمر وارد ولا يدعو لتوجيه اللوم أو الإنتقاد، فأنت قد تكون رأي عن شخص تلقاه لأول مرة ، ثم تغير من رأيك بعد أن تلقاه لمرتين أو ثلاثة، وكثيرًا ما نواجه هذا الموقف في حياتنا اليومية، لهذا كن حذرًا عندما توجه للآخرين الإتهام بأنهم منافقون أو متسلقون لتحقيق مصالح خاصة، فكر جيدًا قبل أن تصدر حكمًا على غيرك.
ولأن الآراء في تغير مستمر فالسؤال هو: متى يكون من حقك أن تعبر عن رأيك بوضوح؟ الحقيقة أنك لو انتظرت اللحظة المناسبة فسوف تنتظر طويلاً، وقد تصمت طيلة حياتك ولن تأتيك اللحظة المناسبة أبدًا، إذن متى تكون لديك رأي تقتنع به وتجد له ما يؤكده ويقرره في رأيك فاطرحه، وهذا الطرح سيفيدك حتمًا، فقد تخوض نقاشًا يفتح لك أبوابًا جديدة للمعرفة، وقد تغير آراء من حولك، أو قد تتأثر بهم وتجد آراءهم أصوب مما لديك، ولا بأس أن تعلن تراجعك عن بعض آرائك، فعندما كنت شابًا كنت تتبنى أفكارًا معينة، وعندما نضجت أكثر عدلت عن بعضها أو استبدلتها بالكلية، أنت لم تكن مخطئً قبلاً؛ وإنما كنت أصغر مما أنت عليه الآن، ليس عيبًا أن تطور من آرائك وتعلن تخليك عن بعضها، وليس عيبًا أن تعترف أن بعضها كان خاطئًا؛ وإنما العيب كل العيب أن تتمسك برأي تؤمن بخطئه خجلاً ممن حولك، وخوفًا من أن توصف بالنفاق الإجتماعي.
عبر عن رأيك متى اقتنعت به واحترم آراء الآخرين، تعلم كيف تطرح رأيك وكيف تراجعه وتنقحه وتعيد تقييمه، لا تحكم تبعًا للماضي وحده، فكل شيء في الكون يدور ويتغير ويتطور فلا تخالف منطق الطبيعة وتتوقف عمدًا في مكانك دون حراك، تذكر كن إيجابيًا ولا تركن للسلبية، لا تخشى المجتمع فأنت قد تطرح رأيًا يغير الكثير من حولك.

نسمة السيد ممدوح
2 فبراير 2012

الاثنين، 16 يناير 2012

الشريكان: رياضي وشاعر

الشريكان: رياضي وشاعر

العقل والقلب شريكان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإن حدث وانفرد أحدهما بالقيادة وصارت له الكلمة المطلقة وقع الخلل حتمًا، إن للعقل أن يلعب دور الرياضي الذي يؤمن بالحقائق والأرقام والحسابات والنظريات ، ويخضع كل شيء للمنطق، وللقلب أن يلعب دور الفنان والشاعر الذي يلمس المعاني ويعبر عنها، ويزن ما يراه ويسمعه طبقًا لمخزونه من العواطف، وأنت إن سلمت لعقلك فقط بت كإنسان آلي لا يعير القيم والعواطف اهتمامًا، ويقسو في قراراته وأفعاله ولا يعني معنى القسوة أيضًا، وإن أنت سلمت للقلب وحده بت كالشاعر الهائم على وجهه ليل نهار بلا عمل نافع، إذن عليك أن توازن بين الاثنين، وتعدل بين الشريكين، وتؤتي كل واحد منهما نصيبه من القيادة.
المشاعر والعواطف هبه وهبها الله للإنسان، وإن أردت أن تحترم إنسانيتك فعليك أن تحترم عواطفك ومشاعرك، وأن تفرض على الآخرين كذلك احترامها، لكن هذا لا يتحقق بإكراه الآخرين ولا باستجدائهم وإلا كان احترامهم إما تخوفًا وخشية، أو شفقة عليك، ولكن بإمكانك أن تفرض مشاعرك كحقائق في بعض المواقف، ودون ان تقحم المبررات التي تحاول أن تأتي بها وتزجها زجًا لتكون منطقية، وإن أنت طرحت مبرراتك لتجيز مشاعرك فلا تستاء من نقاش الآخرين وجدالهم، لأن المبررات تعني أن العقل أصبح هو صاحب السيادة في الموقف، والعقل يُناقش بالمنطق لا بالعواطف، اترك لعواطفك الفرصة للظهور، وعبر عنها بشفافية وإنطلاق مادامت مشروعة وآمنة.
إن أحببت شخصًا ما ، وإن اجتاحك الشوق إليه في لحظة، وإن أنت قد فارقته لساعات فقط، فلا تخجل من أن تعبر له عن شوقك دون مبررات، فقط يكفيك أن تقولها صريحة "اشتقت إليك ولم يمضي على فراقنا غير ساعات" هذا أفضل من أن تسوق المبررات كأن تقول "أردت الإطمئنان عليك لأنك لم تجب اتصالي" أو "علي أن أرعاك وهذا واجبي لهذا جئت إليك" لا تسوق المبررات في غير حاجة إليها، واترك قلبك يقود الموقف، فالعواطف تُحترم وتصان إن طرحت كعواطف، أما أن تُلبسها لباس المنطق وتخضعها للتقاليد والأعراف، وتقيسها بمقياس الواجب فأنت بذلك تظلمها، وتجعلها ضحية للعقل الذي قد ينكرها أو يستهجنها، وهو معذور في حكمه عليه، إذ ارتدت ما ليس لها في الأصل، فتشوهت روحها وفقدت أجمل ما فيها.
لكل فرد منا رصيده الخاص من العواطف، ولولا هذا الرصيد لما تسامح الناس وتحابوا وتزاوروا وتغاضوا عن الهفوات ، وبالرغم من أن ها الرصيد أو قل شقه السلبي هو الدافع للخصام والهجر والغدر والحرمان والإيذاء، ولكن على كل حال هذا الرصيد بشقيه له تأثيره في حياتنا، فلا تقر جانبه السلبي وتنكر الإيجابي منه، تعامل بحرية، وقدر عواطفك، واحترمها فيحترمها الآخرون من حولك، كن صادقًا ولا تفتعل العقل والمنطق في غير وقته، فلكل مقام مقال، ولكل موقف قائد يناسبه ويديره بحكمة، ولكل سفينة ربان يقودها لبر الأمان.

نسمة السيد ممدوح
16 يناير 2014

الأحد، 18 ديسمبر 2011

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

مقتطفات الخامس والعشرين من العمر

في هذا اليوم يجد قلمي مادة خصبة يجول فيها، لينقل بعضًا مما يتزاحم في عقلي: أفكار وأحلام وآمال لا أجد أفضل من تلك الذكرى كي أدونها فيها، فقد لبثت في هذه الحياة لمدة ربع قرن كامل، لا أحسبها بالفترة الزمنية الطويلة، أو أنها كافية حتى أمنح نفسي الحق في التحدث عن حياتي فيها، غير أني أحسبها مناسبة خاصة ليعود فيها قلمي ليكتب من جديد.
الطفل هو تلك الأرض الخصبة التي يحل للوالدين أن يزرعا فيها ما شاءا من البذور، تبدو هذه الأرض ملكًا لهما في سنوات الطفولة الأولى، ورغم هذه الملكية في التصرف فإن عليهما أيضًا أن يخضعا للقوانين والضوابط الأخلاقية والدينية والإجتماعية في اختيار البذور التي ستبذرها أيديهما فيها، إن الكثير من المهارات يكتسبها الإنسان بالتعلم ، وقليل ما يرثه عن والديه، وربما كانت الموروثات هي أقل القليل من المهارات اللازمة للتعايش والحفاظ على البقاء، أما مهارات التعايش السلمي والتفاعل البناء فللطفل أن يكتسبها من والديه ، ثم من أسرته على اتساعها، ثم من مدرسته ومن ثم مجتمعه، وفي إعتقادي لا يدرك الطفل اللذات مالم يتعرف عليها، فما قيمة الشيكولاتة لشخص لم يتذوقها يومًا، إنه لم يعرف بها أو بروعة مذاقها، وبالتالي لن تمثل له أي قيمة تذكر، وماذا يعني الخوف من الكهرباء لدى إنسان بدائي لا يدرك ماهي الكهرباء، ولم يسمع بها من قبل، الأمر ذاته ينطق على الطفل، لهذا أعتقد أن بإمكان الأب والأم يناء رغبات الطفل، وعلى كل حال الأمر يحتاج للتخطيط السليم، فابنك هو المشروع الذي يستمر إلى ما لا نهاية، أو أن نهايته بالنسبة لك هي مفارقتك لهذه الحياة، ومن منا يحب أن يسعى للفشل بقدميه؟ هكذا فكر في أسلوب تربيتك لطفلك وأعتقد أنك ستغير الكثير.
"من لم يؤدبه والداه فسوف تؤدبه الأيام والليالي" هذا مثل نذكره كثيرًا، والموروثات القديمة لها قيمتها، ومع ذلك فإعادة النظر لهذه الأمثال وتحليلها ضرورة، فإن كان المجتمع يكمل مشوار الأسرة وبخاصة الأبوين في التربية؛ فإن الإنسان البالغ عليه أيضًا أن يكمل مشواره الخاص في تأديب نفسه وتهذيب سلوكه، لقد منح الله الإنسان العقل والحس والقدرة على التمييز ، وهو جل جلاله لم يمنحه تلك القدرات لكي يصبح عجينة لينة تشكلها الأيدي من حوله، وإنما جعله أيضًا قادرًا على إعادة تشكيل نفسه، وربما أن أسوأ كلمة يتفوه بها البالغ الراشد هي "لن أتغير وهكذا أنا وعليك أن تقبلني" إن هذا لأسوأ وأصدق دليل على السلبية، وإن كنت تؤمن بهذه الكلمات فعليك ألا تطلب من الآخرين إحداث تغييرات في سلوكهم، فلست بأفضل من الآخرين، ومبدأ المساواة يحتم عليك أن تقبل ما يسري على الآخرين بصدر رحب، وهذا لا يعني بالطبع أن تكون مرنًا لدرجة تفقدك الثبات، أو أن يكون من اليسير تغيير مبادئك ومعتقداتك وافكارك، لكن المقصود أن تحتفظ بمبادئك متى ثبت لك صحتها، وأن تخضعها لإعادة التقييم إذا قوبلت بالرفض الشديد، وتذكر أن أصحاب الفكر والمبادئ القوية معرضون لهجوم المجتمع، ليس لأن معتقادتهم خاطئة؛ وإنما لأن المجتمع ليست لديه الشجاعة الكافية لقبولها وتطبيقها.
لكل إنسان مواهبه وإمكانياته، بعض تلك المواهب يكون صريحًا ظاهرًا، وبعضها مطمور تحت الرماد، إنه كالنار المشتعلة تحتاج لمن يرفع عنها الرماد حتى تضيء ما حولها، ويعم دفئها وخيرها مبددًا سحب الظلام، تكثر المقالات من تناول موضوع المواهب بالنسبة للأطفال وطريقة اكتشافها، وقد تكتفي بعبارة "ما من إنسان لم يخلق بلا مواهب وطاقاات" هذا كلام حسن لكن ينقصه الوصفة المساعدة على اكتشاف المواهب للصغار والكبار، والأمر بسيط جدًا، فإن تحدثت عن الصغار قلت أن على الأسرة والمدرسة دور هام في توفير الإمكانيات، وتحفيز الطفل على دخول العديد من المجالات، مع تشجيعه والثناء عليه، ومن ثم دفعه للمجال الذي يظهر فيه تقدمًا ملموسًا، أما عن الكبير فالأمر يختلف، عليك أنت أن تبحث عن مواهبك، كيف؟ جرب أن تخوض التجارب على تنوعها، حاول أن تمسك قلمًا وأن تكتب شيئًا: خاطرة، قصة، مقالة، لا تطلع الآخرين على إنتاجك في التجارب الأولى، فغالبًا ما سيكون دون المستوى المطلوب، قد تقصر المشاركة على صديق مقرب، وقد تخوضا التجارب معًا، ابتعد عن المميزين جدًا ، ففي خطواتك الأولى قد تصدمك مواهب الآخرين وتصاب بالإحباط نتيجة لرغبتك وتعجبلك، ثم جرب أن تشتري لوحًا للرسم وفرشًا وألوانًا، ابحث عن مصدر يلقنك أساسيات الرسم، استهلك وقتًا في التجربة ولا تيأس فربما أصبحت رسامًا في المستقبل، خض في برامج الكومبيوتر على اختلافها ولا تفكر في احتراف برنامج واحد في البداية، ولكن خذ من كل علم بمقدار يسير، ثم انتقل لمجال آخر وهكذا، إنك في كل مرة تتعلم شيئًا جديدًا، وتتعرف على الفنون واحدًا تلو الآخر، وفي لحظة ما ستكتشف أنك تملك موهبة الكتابة أو الرسم أو العزف الموسيقي أو...الخ، وهنا ابحث عن شخص يجسد أحلامك في المستقبل وابدأ مشوارك، وابحث عمن يشاركك هواياتك ومواهبك.
الإنسان مخلوق يجمع بين القوة والضعف، أودعه الله إمكانيات وطاقات هائلة، وكذلك وضع فيه من الضعف الكثير، إن إدراكك لهذه الحقيقة كفيل أن يعينك على تقويم أسلوبك في التفكير والتعامل مع الآخرين، اغفر لحظات الضعف لمن حولك، ولك أيضًا، البعض يثور لشعوره بالضعف والمرارة في لحظة ما، البعض يكمن ضعفه في رغبة لا يستطيع تحقيقها، ولكل ما يثيره ويؤلمه، لهذا تعلم أن تغفر للآخرين حتى يغفر الله لك، وأنت أيضًا ارتكبت في الماضي أخطاء أثرت على حاضرك اليوم، بعضها أو الكثير منها لا يغفره غير صغر السن، وهو ليس إثمًا، وإنما تعلم مما فات درسًا، وامنح نفسك الفرصة والوقت الكافي لأخذ مشورة الآخرين.
في علم النفس هناك نظرية تقول بأن الإنسان ينظر إلى نفسه من زاوية تختلف عن نظرته للآخرين، إنه يرى نفسه كتركيبة معقدة تستحق من الآخرين مواساتها ، احترام رغباتها، مغفرة زلاتها، ومساعدتها لتحقيق ما تصبو إليه، في حين ينظر للآخرين باعتبارهم أكثر بساطة منه، فهم لا يعانون بما يكفي، وليس لديهم مشكلات أو مبررات حقيقة للتغاضي عن أخطائهم وهفواتهم، ومن هنا تنبع الأنانية، حيث قد يتطور الشعور لدى الفرد ليرى أنه محور المجتمع أونقطة المركز فيه، وأن على الآخرين أن يدوروا في فلكه خاضعين لظروفه وحاجاته ومزاجه الخاص أيضًا، وعندما تواجه نفسك بتلك الحقيقة تصدم وتنهار هذه الصورة الوهمية وتعيش في سلام مع نفسك ومع الآخرين من حولك.
ابتسم حتى تسعد الآخرين، ولا تنسى أن لكل شخص ما يبكيه، وليس الباسم غير إنسان ناجح في إخفاء آلامه وليس في محوها.


نسمه السيد ممدوح
18 ديسمبر 2011

الخميس، 24 نوفمبر 2011

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

مساعدة الآخرين، فن له أصوله

أن ترغب في مساعدةِ الآخرين فهذا شعور نبيل، لكن السؤالَ هو: كيف ستساعد الآخرين؟ قد تحسب للوهلةِ الأولى أنَّ الإجابةَ عن هذا السؤال يسيرة، أو أنَّ كل ما عليك هو البحث عما يحتاجُه الآخرون لتسارعَ بتقديمه لهم؛ لكن ما يجب أن تفكرَ فيه بحق هو أن تتعلمَ فن مساعدة الآخرين، ولكل فن أصوله.

إن موقفَ تقديم المساعدة لشخص ما، يشتمل على ثلاثةِ عناصر رئيسة هي: (ماهية المساعدة، مَن تقدم له المساعدة، أسلوب أو كيفية تقديم المساعدة)، وإذا أردت أن تحسنَ الأداء في هذا الموقف، فعليك أن تعطي كلَّ عنصر حقَّه من الاهتمام، فماهية المساعدة من أيسرِ العناصر؛ فإذا رأيت كفيفًا يقف على جانبِ الطريق، فأنت تعلم أنَّ المساعدة التي يحتاجُ إليها في هذه الحالة هي أن تعينَه على عبور الطريق مثلاً، وإذا كان أبوك مريضًا ويحاول النهوضَ من كرسيه، فأنت تعلمُ أنَّ المساعدةَ المطلوبة في تلك اللحظةِ هي معاونته على الوقوف، وإذا رأيتَ أخاك الصغير يستذكر دروسَه ويعجز عن حلِّ مسألة ما، فأنت تعلمُ أن المساعدةَ المطلوبة هي معاونته على حلها، إذًا فمن اليسير أن تعرفَ ما سوف تقدم، ولهذا عليك أن تركزَ كثيرًا في العنصر التالي وهو: مَن تقدم له المساعدة؟

إن لكلِّ شخص ظروفه وصفاته الخاصة التي تجعل أسلوب التعامل معه يختلفُ عن غيره، فحين تعين طفلاً على عبورِ الطريق، فأنت تتعاملُ بأسلوب مختلف عما كنتَ تعامل كفيفًا أو رجلاً مسنًّا، كما أن تقديمَ المساعدة لطفل صغير في مادةِ الرياضيات يختلفُ عن تقديم ذات المساعدة لطفل يعاني من مشكلاتٍ عقلية أو بصرية مثلاً، ورعايتك لوالدتك المريضة تختلفُ عن تخفيف الأعباء عنها إن كانت صحيحة وهكذا، وعليك أن تتذكرَ أن الأشخاص المصابين بالإعاقاتِ والأمراض أكثر تحسُّسًا لقبولِ المساعدة، في واقع الأمر هم بحاجة لها، لكن تقديم المساعدات لهم هو أصعب ما يكون؛ لأن من المفترض أن تقدم المساعدة دون أن تنقلَ للطرف الآخر شعورًا صريحًا بعجزه، وعليك أن تتوقعَ ردَّ فعل سلبي منه، وإن حدث فهذا فهو يدلُّ في الغالبِ على فشلك في تقديم المساعدة بالطريقة الصحيحة، وهذا يحدث بشكلٍ لا إرادي من الطرف الآخر، وكل ما عليك هو تقبُّل الأمر بصدرٍ رحب، وإعادة المحاولة بطريقة مختلفة، ولهذا نجدُ أن الأشخاصَ المصاحبين لمثل هؤلاء بشكلٍ مستمر هم أفضل من يقدم لهم المساعدة؛ لأنَّ المصاحب هنا قد مر بتجارِبَ عديدة أكسبته الخبرةَ الكافية، فتجده يقدم المساعدةَ دون جرح لمشاعر الطرف الآخر، كما أنَّ الشخص المصاب قد يتجه لطلبِ العون منه بشكلٍ طبيعي؛ لأنَّه أدرك أن هذا الشخصَ يقدمُ له ما يحتاج إليه بلباقة، وهذه اللباقة لا تُدرك بسهولة، ولا بد أن تمرَّ بتجارب كثيرة حتى تتعلمها وتتقنها.

هناك أيضًا المساعدات الإضافية وليست الضرورية، إن تقديم مثل هذا النوع يكون غالبًا للأصحاء، وهي مساعدات دافعها الحبُّ أو الخوف على شخصٍ ما، أو إبعاده عن أي مصدر قلق أو خطر، ومن الأمثلة على هذا النوع: رغبتك في مساعدةِ والديك إبعادًا لهما عن أي مصدر قد يمثل خطرًا، أو يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية مثلاً، فرغم أنَّ والدَك صحيح وذو بنية جيدة تجد أنك تصر على ألا يقودَ سيارتَه لتنوبَ أنت عنه في هذا، أو تصر على أن تكون مهمة حمل الأغراض - وبخاصة ثقيلة الوزن - من نصيبِك أنت، وهكذا، هذا النوع من المساعدات أيضًا يحتاج إلى حذرٍ في الأداء، حيث المطلوب أن تأتي مساعدتك محملة على محمل الحبِّ والتدليل للطرف الآخر وليس إعانته.

أمَّا إذا تحدثنا عن العنصرِ الثالث وهو كيفية تقديم المساعدات، فنجد أنه عنصرٌ متغير يرتبط بالعنصرِ الذي استوفيناه سابقًا؛ وهو الشخص الذي تقدِّم له المساعدة، وعلى كلِّ حال فإنَّنا نجد أنَّ المُساعداتِ المستَتِرة هي الأفضل، كما أن تجنبَ العبارات اللفظية الدالة على عجزِ الطرف الآخر أمرٌ شديد الأهمية، ومن المفيد جدًّا ألا تقدم مساعدة في غير موضعِها، حتى وإن كنت تتعامل مع شخصٍ يُعاني إعاقة ما، حاول أن تراقبَ الطرف الآخر لتتبينَ الأحوال التي يجب أن تلعبَ فيها دورًا فعالاً لإبداء المساعدة، ولا تسرف فيها أيضًا، فقد يؤدِّي الإسرافُ إلى قلبِ الأمور رأسًا على عقب، وبدلاً من أن يكون الطرف الآخر ممتنًّا لك، من الممكن أن يصبح مستاءً من مصاحبتك له، وهذا الاستياء مرجعه إصرارُك دون وعي على جعلِه سجين إعاقته الحقيقية أو الخيالية.

لهذا عزِّز رغبتك في مساعدة الآخرين بتعلم فنِّ المساعدة، ولا تنس قيمةَ التواضعِ والتباسط والحب، وأخيرًا لا تمنَّ على أحد بمساعدتك فتذهب بها أدراج الرياح.


النشر الأول على شبكة الألوكة

اتبعني على Facebook